بقلم: موسى عبّاس
في وقتٍ تتسارع فيه التحليلات حول الاتفاق الأخير، وتتسابق فيه الأبواق لتصويره إنجازاً نهائياً أو هزيمة مطلقة، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: هل نحن أمام نهاية الحرب، أم مجرد "استراحة محاربين" فرضتها الضرورات التكتيكية لا غير؟
إن قراءة متأنية في مسار المواجهة بين إيران وحلفائها من جهة، والكيان الصهيوني المدعوم أمريكياً من جهة أخرى، تكشف أن الأهداف الاستراتيجية لكلا الطرفين لا تزال بعيدة المنال. إن الحديث عن أهداف دونالد ترامب المعلنة والمخفية في هذه الحرب يكشف فصلاً من الفشل الذريع؛ فقد وعد بإنهاء إيران ومحوها من الخريطة، والعمل على إسقاط نظامها، وقطع برنامجها النووي، لكن اليوم، وبعد كل هذا الضجيج والدمار، نجد أن أياً من هذه الأهداف لم يتحقق. لا هزيمة عسكرية لإيران، ولا اتفاق نووي يوقف التخصيب؛ بل على العكس، خرجت طهران أكثر حضوراً وتأثيراً، وأثبتت أن سياسة "الضغط الأقصى" التي تبناها ترامب لم تكن سوى وهم تبدد أمام صلابة الميدان.
—سقوط الأقنعة وشرعية التضحية:
لقد كشفت هذه الجولة من الصراع هشاشة السلطة الرسمية في لبنان التي، في نظر الكثيرين، لم تكن سوى شاهد زور على محاولات تصفية كرامة الوطن. إن المطالبة برحيل هذه الأركان باتت استحقاقاً وطنياً؛ فمن تآمر على من ضحوا بفلذات أكبادهم لأكثر من أربعين عاماً، وتماهى مع الطرح الذي يصنف المقاومة "إرهاباً" بدلاً من دعم صمودها، لا يملك الحق في ادعاء تمثيل شعبٍ لم يجد في هذه السلطة سوى خذلانٍ متكرر، وانبطاحٍ أمام إملاءات المحتل.
إن التضحيات التي قُدّمت في الجنوب هي التي رسمت حدود الكرامة اليوم، وهي التي جعلت العدو يرتد خائباً. لذا، فإن أي اتفاق يعقد تحت سقف هذه السلطة "المهترئة" هو اتفاق منقوص، ولن يكتب له الديمومة ما لم يُبنَ على أسس وطنية تحمي المقاومة ولا تبيع تضحياتها.
—الخاسرون في ميزان الحقيقة:
إن الخاسر الأكبر في هذه المعادلة -إلى جانب ترامب الذي اصطدمت أوهامه بجدار الواقع- هو الكيان الصهيوني الذي استُنزفت قدراته العسكرية والردعية، وفشل في تحقيق أهدافه الوجودية. وإلى جانبه، تبرز الدول العربية التي شاركت في الحرب ضد إيران؛ فقد راهنت على سراب الرهان على قوة خارجية، لتجد نفسها في مواجهة تداعيات استراتيجية ستغير خريطة النفوذ في المنطقة، متجاوزةً حساباتهم الضيقة.
—استراحة.. بانتظار الجولة القادمة:
لماذا نعتبرها "استراحة محاربين"؟ ببساطة، لأن أهداف أطراف الصراع لم تتحقق. العدو لم يحقق أمنه المزعوم، والمحور المقاوم لم يجد بعد ما يدفعه لإنهاء حالة التعبئة طالما ظل التهديد الصهيوني قائماً. نحن أمام "تجميد ميداني" فرضته تعقيدات الإقليم، لكن البذور التي أدت إلى انفجار 7 أكتوبر وما تلاه، لا تزال خصبة وقابلة للنمو في أي لحظة.
خلاصة القول: إن الأقنعة سقطت، واللعبة التي أراد البعض من خلالها طي صفحة المقاومة قد ارتدت عليهم. الجنوب باقٍ، والأحرار الذين حملوا الأمانة في أحلك الليالي تحت الأرض، هم وحدهم من يملكون حق تقرير مستقبل هذه الأرض. أما أبواق التواطؤ، فليس لهم من التاريخ سوى صفحات الخزي.
الحرب جولة، والحقُّ طريق.. وما نراه اليوم ليس نهاية المطاف، بل فصلاً جديداً من صراع الوجود الذي لا ينتهي إلا بانتزاع كامل الكرامة والسيادة.