بقلم ( عباس المعلم )
من قاع العفن السياسي، ومن مستنقع الانحطاط الأخلاقي، ومن حضيض السقوط القيمي، يتشكّل هذا المشهد اللبناني المريض: طبقة سياسية مشوّهة، فاقدة للهوية، منزوعـة الشرف الوطني، تُحوّل الخيانة إلى فضيلة، والانبطاح إلى خيار استراتيجي، والتفريط إلى خطاب “واقعي”، وتسوّق الذلّ كعقلانية سياسية. قوى وشخصيات لبنانية لا تخوض معارك ضد العدو، بل تؤدي وظيفة العدو؛ لا تواجه الاحتلال، بل تمهّد له؛ لا تحمي السيادة، بل تساوم عليها؛ لا تصون الدم، بل تبرّره. معاركهم ليست دفاعًا عن وطن، بل تسوّل فجّ للتطبيع مع إسرائيل، واستجداء خسيس للاعتراف الخارجي، ولو على ركام المدن، ولو على جثث الأطفال، ولو على دماء المدنيين، ولو على سيادة مدفونة، ولو على وطن ممزّق. والأكثر انحطاطًا أن هذه الهستيريا السياسية لا تُوجَّه نحو العدو، بل تُفرَّغ على الداخل. ماكينة كراهية داخلية بلا ضوابط: تخوين، شيطنة، تكفير وطني، تحريض دموي، شماتة بالقتل، تبرير للمجازر، مطالبة علنية بالسحق والاقتلاع والتهجير، إغلاق للمناطق، منع للمرور، نفي للوجود، مصادرة للهوية، تحويل المواطن إلى “خطر”، والشريك في الوطن إلى “عدو داخلي”. كل العداء يُستنزف داخليًا، وكل الكراهية تُستثمر ضد أبناء البلد، وكل العنف الرمزي والسياسي يُوجَّه للداخل، بينما العدو الحقيقي يُغازَل ويُسترضى ويُعرض عليه التطبيع كخيار “عقلاني”. هذا ليس خللًا سياسيًا بل سقوط أخلاقي كامل، وليس انقسامًا وطنيًا بل تحلّلًا بنيويًا في مفهوم الوطن، وليس اختلاف مشاريع بل تفككًا في معنى الدولة والهوية والانتماء. والتاريخ لا يرحم هذا النموذج ولا يبرّره: فرنسا لفظت نظام فيشي المتصالح مع الاحتلال النازي، والنرويج حوّلت كفيزلينغ إلى رمز عالمي للخيانة، والجزائر لفظت الحركيين المتعاونين مع الاستعمار، ولبنان نفسه لفظ جيش لحد وعملاء الاحتلال في الجنوب بعد التحرير. كل تجربة في التاريخ تثبت قاعدة واحدة: من يصالح العدو ويقمع شعبه لا يصنع دولة، بل يصنع لعنة تاريخية. لم يعرف التاريخ حالة واحدة لفريق استجدى السلام من عدو خارجي، وفي الوقت نفسه توحّش في عدائه لشعبه، واعتبر المواطن خطرًا، والاحتلال فرصة، والشريك الداخلي تهديدًا وجوديًا. هذا منطق مقلوب، قيم مقلوبة، أخلاق مقلوبة، ووطنية مقلوبة. ما يجري هو مشروع متكامل لتفكيك الداخل مقابل ترميم العلاقة مع الخارج، لقمع المجتمع مقابل استرضاء الخارج، لإخضاع السيادة مقابل شرعية مستوردة، لتطبيع مع الاحتلال مقابل شيطنة الشريك، لسلام مع العدو مقابل حرب على المواطن. وحين يصبح الاحتلال خيارًا سياسيًا، والمواطن مشكلة أمنية، والعدو شريكًا محتملاً، والشريك خطرًا وجوديًا، فنحن لسنا أمام أزمة نظام بل أمام انتحار وطني موصوف، ولسنا أمام طبقة سياسية فاشلة بل أمام طبقة وظيفية تعمل كوكلاء نفوذ، وسماسرة مشاريع، وأدوات تفكيك داخلي، ووسطاء خضوع سيادي، وواجهات سياسية لشرعنة الانهيار، لا تبني دولة ولا تحكم وطنًا، بل تدير عملية دفن بطيئة لوطن حي، وتحوّل السياسة إلى مهنة قذرة، والسيادة إلى سلعة، والكرامة إلى عبء، والمقاومة إلى تهمة، والوطن إلى صفقة، والشعب إلى فائض بشري، وتستحق تاريخيًا توصيفًا واحدًا لا لبس فيه: طبقة بلا وطن، بلا أخلاق، بلا شرعية، بلا هوية، بلا مستقبل، ومكانها الطبيعي ليس في صناعة القرار، بل في هامش التاريخ الأسود كرمز للخيانة السياسية والانهيار الوطني الشامل.
عباس المعلم - كاتب سياسي