*عندما تتفاقم الاخطاء في الدولة والمجتمع الى درجة لا يمكن اخفاؤها وبطريقة لا يمكن انكارها،تطرح عدة اسئلة من اي واحد ،وخصوصا في الشرق الاوسط،واهم هذه الاسئلة (( من فعل بنا هذا ))؟.فالسؤال تمت صياغته لتكون الاجابة عليه بوضع اللوم على الخارج،او على كبش فداء محلي،الاجانب في الخارج،والاقليات في الداخل.لكن الاصح،ان يطرح السؤال بصيغة صحيحة (( ما هو الخطأ الذي ارتكبناه ))؟
فيما يتعلق بانهيار الامبراطورية العثمانية ( التي يصر العرب على تسميتها بالخلافة العثمانية،على الرغم من ان حكامها لم يسموا انفسهم بالخلفاء،بل السلاطين.) ونظرا لان المشرق العربي خضع للتقسيم على اساس سايكس -بيكو ووعد بلفور بعد الحرب العالمية الاولى ووضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني الذي جند كل قواه العسكرية والسياسية لاقامة دولة الكيان الصهيوني،مما دفع معظم شعوبه للتحسر على ايام الحكم العثماني،وتطوعنا بحمل وزر انهيار الدولة العثمانية بانه لولا خيانة العرب لما سقطت الدولة العثمانية.وهذا بطبيعة الحال مجاف للحقيقة التاريخية.فالدولة العثمانية كانت تحقق الانتصار تلو الانتصار في حروبها،وكانت تفرض شروطها على المهزومين وتسيطر على بلادهم،وامرها مطاع.
واجهت الامبراطورية العثمانية تحديات عديدة على الميادين الاوروبية،واخذت تتعرض لهزائم تم توثيقها في معاهدات ملزمة لاطرافها. والمعاهدات لم تكن معروفة في القاموس العثماني.وهذه المعاهدات وبنودها ،توضح مسلسل انهيار الامبراطورية العثمانية في اوروبا،وهي حسب تسلسلها الزمني:
١- معاهدة رادزين Treaty of Radzn مع روسيا عام 1681
2- معاهدة كارلوويتز. Treaty of Carlowitz مع الجامعة المقدسة في 26 كانون الثاني/يناير 1699
3- معاهدة بروث Pruth Treaty مع روسيا عام 1711
4- معاهدة باساروويتز Passarowitz مع البندقية والنمسا عام 1718
5- معاهدة كوكوك كايناركا Ku,cuk Kaynarca مع روسيا عام 1774
6- معاهدة بوخاريست Treaty of Bucharest مع روسيا عام 1812
7- معاهدة جوليستان Treaty of Gulistan مع روسيا عام 1813
8- معاهدة تركمانشاي Treaty of Turkmanchay مع روسيا عام 1828.
*وهذه نبذة عن كل معاهدة :
معاهدة رادزين:كانت بولندا واكرانيا مسرحا للعمليات المكثفة،حين ابتدا الصدام بين الامبراطورية العثمانية وروسيا.في هذه المعاهدة تخلى العثمانيون عن مطالبتهم باوكرانيا،ووافقوا على منح القوزاق حق التجارة عبر البحر الاسود.كانت تغيرا منذرا،ومعلنا عن بروز عدو جديدوخطير،وبداية صراع صعب ومرير.شنت الامبراطورية العثمانية حربا جديدة على النمسا،ادت الى حصار ثان لمدينة فبينينا17 تموز/يوليو و 12 ايلول/سبتمبر من عام 1683 . كانت المحاولة الثانية الفاشلة للاستيلاء على المدينة.وقد وصفها المؤرخ السلحدار ((كانت هزيمة كارثية،وعظيمة الى حد لم يسبق لها مثيل اول منذ ظهور الامبراطورية العثمانية )).والفشل في فينا تبعه سلسلة هزائم اخرى وخسارة مدينة بودا عام 1686 حيث انتهى قرن ونصف القرن من السيطرة العثمانية على هنجاريا.وقد تم احياء هذه الذكرى بالندم التركي
في النوافير ليس هناك من يغتسل
في المساجد ليس هناك من مصلين
الاماكن المزدهرة صارت مهجورة
استولى النمساويون على مدينتنا الجميلة بودا.
معاهدة كارلوويتز: في شهر اذار/مارس عام 1684 شكلت النمسا والبندقية،وبولندا،وتوسكاني،ومالطا الجامعة المقدسة A Holy League وبمباركة من البابا لقتال الامبراطورية العثمانيةوانضمت روسيا الى الكاثوليكية في هذا المشروع بقيادة القيصر بيتر العظيم.وحققوا عدة انتصارات.فالانسحاب من فينا فتح الباب لفرص جديدة ،فاستولى بيتر العظيم على ازوف Azov في السادس من اب/اغسطس عام 1696, وكانت اول معقل روسي على شواطيء البحر الاسود.وصار الاتراك جاهزين لمناقشة السلام.بدأت عملية السلام بمفاوضات سرية بين المستشار النمساوي ووكبير الوزراء Grand Vazier المعين حديثا ومعه كبير المترجمين Grand Dragoman. في شهر تشرين الاول /اكتوبر عام 1698 التقى الدبلوماسيون في كارلوويتزفي فويفودينا Voivodina المحررة من العثمانيين وفي ٢٦ كانون الثاني/ يناير عام 1699 وبوساطة بريطانية وهولندية تم توقيع معاهدة سلام بين الامبراطورية العثمانية والجامعة المقدسة في كارلوويتز.بعدها بمدة قصيرة تم الاتفاق مع روسيا على انفصال ازوف Azov وضمها الى روسيا.خسر العثمانيون خسارة جديةمن الاراضي وارغموا على التخلي عن المفاهيم والوسائل القديمة في التعامل مع العالم الخارجي،وليتعلموا العلم الجديد في الدبلوماسية والمفاوضات والوساطات.لم تكن تلك الحرب هزيمة كلية،والمعاهدة لم تكن استسلاما كاملا.لكن معاهدة كارلوويتز كانت ذات اهمية خاصة في تاريخ الامبراطورية العثمانية،وبشكل اوسع في تاريخ العالم الاسلامي،كاول سلام وقع بين الامبراطورية العثمانية المهزومة مع خصومها المسيحيين المنتصرين.
* معاهدة بروت و باساروويتز: في النصف الاول من القرن الثامن عشر لم يحسم الصراع،بل جلب بعض المكاسب للعثمانيين.وفي عامي 1710-1711 حققوا انتصارا مشهودا على الروس الذين حسب معاهدة بروت عام 1711 ارغموا على اعادة اوزوف Azov ولكن في حرب اخرى مع البندقية وبعد ذلك النمسا انتهت بهزيمة اخرى للعثمانيين وخسارة اراض تم تحديدها في معاهدة باساروويتز في عام 1718.
* معاهدةكوكوك كيانارا: في عام 1774 لحقت بالعثمانيين سلسلة هزائم وتم تسجيل نتائجها في معاهدة كوكوك كيانارا التي منحت الروس حقوق الابحار والتدخل غير المباشر في شؤون الامبراطورية العثمانية.والاكثر اهمية من ذلك كله كان البند المتعلق بالقرم ذات التابعية العثمانية ويقطنها مسلمون يتكلمون اللغة التركية.وارغم السلطان على الاعتراف بخانات القرم،وكان ذلك مقدمة لضم القرم الى روسيا في عام 1783. كانت ضربة قاضية وخسارة( اراض في اوروبا.لان القرم كانت ارضا تركية اسلامية،كما انها ادت الى كون روسيا قوة رئيسية في البحر الاسود،وتشكل تهديدا للعثمانية وبشكل اوسع لارض الاسلام في شواطيء اوروبا والقوقاز.
* معاهدة بوخاريست: في شهر تموز / يوليو عام 1807 قام نابليون بعقد صفقة مع القيصر في مدينة تلسيت Tilsit وصار نابليون جاهزا ليضحي بتركيا من اجل ان يتفرغ لحربه مع انجلترا. قام الامبرطوران بتقسيم اوروبا حيث اعطت تركيا اقاليم البلقان الشرقية لروسيا،واقاليم البلقان الغربية لفرنسا،ومنحوا الصرب والبوسنة للنمسا لارضائها.اجتاز الروس نهر الدانوب وحسب اتفاقية بوخاريست عام 1812 استولوا على بيسيرابيا المعروفة بمولدوفيا هذه الايام.وحصلوا على حقوق واسعة في الامارات الدانوبية.تعلمت تركيا بشكل مؤلم جدا اللعبة الكبرى،وحققت بعض المهارات في اللعب-تكفي لتأخير،وليس لمنع الانهيار النهائي للامبراطورية العثمانية.في ذات الوقت،صعدت قوى جديدة سرعت بشكل كثير،ومن ثم انجاز الانهيار ،وهي انتفاضات الشعوب الخاضعة للامبراطورية العثمانية.في شهر شباط/ فبراير عام 1804 قام الصرب بانتفاضتهم الوطنية الاولى ضد العثمانيين،وفي عام 1815 قاموا بانتفاضتهم الوطنية الثانية التي حققت الاعتراف الناجح بالحكم الذاتي تحت السيادة العثمانية.وبعدها بسنوات قليلةقامت الانتفاضة الوطنية اليونانية،التي حازت على التأييد الاوروبي وحصلت اليونان على الاستقلال والسيادة للمملكة اليونانية.
في اواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تحررت الاقاليم البلقانية الواحد تلو الاخر،وخطوة خطوة من الحكم العثماني
* معاهدة جوليستان: 1813. كانت ايران بعيدة عن الحروب والمعارك الرئيسية في اوروبا،وكانت تنقصها المهارات والفرص،وكانت امكانياتها اقل بكثير من امكانيات الاتراك لتلعب مع القوى الاوروبية،وكان اداؤها اسواء بكثير.هنا قام الفرنسيون والبريطانيون والروس الذين نالوا حصة الاسد بمعاهدة جوليستان حيث تنازلت ايران لروسيا عن ديربنت،وباكو،وشيرفان،وشاكي،وكاراباخ والاراراضي المتاخمة،وتخلت عن ادعاءاتها في جورجيا وداغستان ومنجريليا.وتجددت العداوات الروسية -التركية في عام 1825 وانتهت بمعاهدة تركمانشاي.
* معاهدة تركمانشاي: عام 1828 التي تخلت فيها ايران عن ارمينيا لروسيا،وكان التقدم الروسي على حساب تركيا وايران ودول اسيا الوسطى.
كل ما جرى في اوروبا كشف ضعف الدول الاسلامية مقارنة بالدول الاوروبية.
* بعد تطهير اوروبا من العثمانية واصلت الجيوش الاوروبية الاستعمارية ملاحقة الامبراطورية العثمانية في حياضها وعقر دارها.بدءا من عام 1820 فرضت بريطانيا عبر سلسلة من المعاهدات مع امارات الخليج العربية حماية،مما منح بريطانيا السيطرة على الشؤون الخارجية،والدفاع،وحماية مصالحها التجارية،مقابل ترك السلطة الداخلية للشيوخ المحليين.لم يكن ذلك احتلالا استعماريا مباشرا.احتلت فرنسا الجزائر عام 1830 ،واحتلت بريطانيا مصر عام 1882 وامتد الاحتلال الى السودان عام 1899 .،واحتلت ايطاليا ليبيا عام 1911 واحتلت بريطانيا العراق عام 1917 ،واحتلت فرنسا سورية عام 1920. واحتلت بريطانيا فلسطين وضمت اليها شرق الاردن وفرضت الانتداب عليهما عام 1922 بعد ان احتلت بريطانيا غور الاردن الاردن عام 1918. واحتلت اسبانيا وفرنسا المغرب عام 1912 وقسمت البلاد الى منطقة وسطى تحت الحماية الفرنسية،واخرى شمالية وجنوبية تحت الحماية الاسبانية.
سبق هذه الاحتلالات الاحتلال الاسباني للمدن الساحلية الاستراتيجية وهران والمرسى الكبير عام1732 وانتهى عام 1775.
* لم تكن تلك الاحتلالات لارض الاسلام كما يسميها الغرب،وقبلها سلسلة الهزائم في الميادين الاوروبية بسبب غضب السماء على العاصين،بل بسبب الفجوة الهاىلة بين حضارة اوروبية ذات ثورة علمية وصناعات تكنولوجيةوعلوم ادارة مكنتها من انتاج وسائط نقل سريعة تعمل بالطاقة البخارية وبعدها الطاقة البترولية للسفن والقطارات واسلحة حديثة،وبين حضارة لا تزال تغفو تحت ارجوحة الامبراطورية العثمانية الكسولة والمهملة.وفي منطقة يتحرك فيها التاريخ ببطء شديد.حضارة تقليدية قديمة،لم تجدد نفسها ثقافيا وعلميا.في الوقت الذي كانت فيه الفجوة بين الحضارتين باتساع نهر يمكن جسر ضفتيه،والتلاقح مع الاخر،كما فعلت اليابان.وبدل ذلك قمنا بتوسيع الفجوة حتى تحولت الى محيط باتساعها. واخذنا نندب حظنا ونطرح السؤال (( من فعل بنا هذا ))؟
ملقين باللوم على الاخر الخارجي او على كبش الفداء الداخلي وهو هنا النظام الرسمي العربي.لم نطرح السؤال بصيغته الصحيحة (( ما الخطأ الذي ارتكبناه ))؟ لان الاجابة عليه تستدعي عملية مراجعة كاملة للعقل العربي المستقيل ونقد الثقافة المتخلفة السائدة.
وامام واقع الهزائم المتتاليةالتي لحقت وما زالت تلحق بنا ،بدأنا نشكو امرنا الى السماء،ونتوجه اليها بالدعاء،مثل ،(( حسبنا الله ونعم الوكيل )) و(( اللهم انصرنا على اعدائنا ))و اللهم انا نستودعك اهل غزة وفلسطين ))و اللهم اشرح صدورنا بنصر من عندك )) و (( اثلج صدورنا ))ونحن لا نحرك ساكنا متمسمرين امام شاشات التلفزة والكل يعلم ان نصر الله وفرجه لا يمنح للقاعدين.
مهندس زياد ابو الرجا