توصلت دراسة حديثة قادها باحثون من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA) إلى أن الجسم لا يتعامل مع جميع أنواع الدهون بالطريقة نفسها، بل يمتلك آلية انتقائية تسمح بامتصاص الدهون المفيدة والتخلص من الضارة. وقد يفتح هذا الاكتشاف المجال أمام تطوير علاجات جديدة للسمنة والسكري واضطرابات التمثيل الغذائي.
ونُشرت الدراسة على غلاف عدد فبراير من مجلة Cell Metabolism.
وقال الدكتور توماس فاليم، أستاذ الطب في قسم أمراض القلب بالجامعة، إن تعديل الأحماض الصفراوية قد يتيح "امتصاص الدهون الجيدة بشكل انتقائي وإخراج الدهون الضارة"، مع فوائد أيضية متعددة، من بينها تحفيز إفراز هرمون GLP-1 المرتبط بآلية عمل أدوية إنقاص الوزن الشهيرة مثل Wegovy وOzempic.
الأحماض الصفراوية: بوابة امتصاص الدهون
تُعد الدهون عنصرا أساسيا لبقاء الإنسان، وتساعد الأحماض الصفراوية — وهي جزيئات تعمل بطريقة مشابهة للمنظفات — على تفتيت الدهون داخل الأمعاء إلى قطرات صغيرة، ما يسهل امتصاصها في مجرى الدم.
وكانت هذه الكفاءة مفيدة في العصور التي كان الغذاء فيها نادرا، لكنها قد تتحول إلى عامل خطر في ظل انتشار الأنظمة الغذائية الغنية بالدهون، خاصة الدهون المشبعة المرتبطة بالالتهابات والأمراض الأيضية، في المقابل تُعرف الدهون الأحادية والمتعددة غير المشبعة بدورها الوقائي للقلب والكبد، لكنها أقل حضورا في النظام الغذائي الغربي.
تجربة تعديل جيني لتقليل امتصاص الدهون
استخدم الباحثون أداة CRISPR لتعطيل إنزيم رئيسي مسؤول عن إنتاج الأحماض الصفراوية يُعرف باسم CYP7A1، ما أدى إلى خفض مستويات هذه الأحماض بنسبة 50% لدى الفئران البالغة.
وللمقارنة، تلقت مجموعة أخرى من الفئران دواء أورليستات المعتمد لإنقاص الوزن، والذي يمنع امتصاص الدهون بآلية مختلفة.
وعلى مدى ثمانية أسابيع، تناولت المجموعتان نظاما غذائيا عالي الدهون يحاكي النمط الغربي. ورغم أن كلاهما امتص دهونا أقل، فإن الفئران التي عُدّل لديها الجين كانت وحدها محمية من زيادة الوزن.
تقليل الأحماض الصفراوية يعزز هرمون الشبع
أظهرت النتائج أن الفئران المعدلة وراثيًا لم تزد شهيتها رغم انخفاض امتصاص الدهون، بخلاف مجموعة الأورليستات التي تناولت كميات أكبر من الطعام.
وكشف تحليل الهرمونات عن ارتفاع ملحوظ في إفراز GLP-1 — وهو هرمون يعزز الإحساس بالشبع — لدى الفئران التي تفتقر إلى إنزيم CYP7A1.
ويرجّح الباحثون أن السبب يعود إلى انتقال الدهون لمسافة أطول داخل الأمعاء، حيث تحفّز مستقبلات عصبية ترسل إشارة إلى الدماغ مفادها أن الجسم حصل على ما يكفي من الغذاء.
تأثير مختلف على دهون الكبد والأنسجة
أظهرت التحليلات أن تقليل الأحماض الصفراوية غيّر نوعية الدهون المخزنة في الكبد والأنسجة:
ارتفعت مستويات الدهون المتعددة غير المشبعة "الصحية".
انخفضت الدهون المشبعة "الضارة".
في المقابل، أدى الأورليستات إلى تقليل امتصاص جميع الدهون، بما فيها المفيدة، ما دفع الكبد إلى إنتاج دهون جديدة، وهي عملية قد تسهم في اضطرابات التمثيل الغذائي مع مرور الوقت.
كما بينت الدراسة أن الفئران استمرت في امتصاص الدهون الصحية، بينما تخلصت من نسبة أكبر من الدهون المشبعة عبر الفضلات.
ليست كل الأحماض الصفراوية متشابهة
أظهرت التجارب أن الدهون المشبعة تحتاج إلى كميات أكبر من الصفراء لتذوب مقارنة بالدهون غير المشبعة، مما يجعل امتصاصها أقل كفاءة عند انخفاض الأحماض الصفراوية.
كما اكتشف الباحثون أن حمضا صفراويا محددا يُعرف باسم حمض الكوليك يلعب دورا رئيسيا في امتصاص الدهون المشبعة؛ إذ أدى تعطيله إلى تقليل امتصاص هذا النوع من الدهون مع استمرار امتصاص الدهون المفيدة.
فهم جديد لعملية امتصاص الدهون
تحدى هذا البحث الفكرة التقليدية التي تفترض أن جميع الدهون تُمتص بطريقة سلبية وغير انتقائية، ليؤكد أن العملية أكثر تعقيدا وانتقائية مما كان يُعتقد سابقا.
ويعمل الفريق البحثي حاليا على تطوير جزيئات دوائية صغيرة تستهدف مسار الأحماض الصفراوية وامتصاص الدهون، بهدف تحسين الصحة الأيضية وابتكار علاجات محتملة في المستقبل.