كشف علماء من الولايات المتحدة سببا تطوريا غير متوقع لعدم قدرة جسم الإنسان على تصنيع فيتامين C ، وهو الفيتامين الأساسي للمناعة والصحة العامة. وبيّنت الدراسة أن هذا التغير الجيني، الذي حدث قبل نحو 60 مليون سنة، لم يكن خللا بيولوجيا، بل آلية دفاع تطورية ساعدت أسلاف البشر على تقليل خطر الإصابة بالعدوى الطفيلية القاتلة.
معظم الثدييات تصنع فيتامين C إلا الإنسان
تمتلك غالبية الثدييات القدرة على تصنيع فيتامين C داخل أجسامها بفضل إنزيم خاص يُعرف باسم GULO.
لكن خلال مسار التطور، فقد أسلاف البشر هذه القدرة، مما جعل الإنسان يعتمد كليا على المصادر الغذائية للحصول على الفيتامين.
خلل جيني تحوّل إلى استراتيجية دفاعية
أظهرت دراسة نُشرت في مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences أن فقدان جين GULO لم يكن مصادفة، بل كان تكيفا تطوريا ذكيا ساعد الجسم على مقاومة الالتهابات القاتلة.
وقد لاحظ الباحثون أن فقدان القدرة على تصنيع فيتامين C تكرر عدة مرات خلال التطور، ولم يقتصر على الرئيسيات فقط، بل شمل كائنات أخرى، بما في ذلك بعض الطفيليات نفسها، مما أثار تساؤلات حول العلاقة بين هذا الفيتامين والبقاء على قيد الحياة.
العلاقة بين فيتامين C والطفيليات
تعتمد الطفيليات، مثل الديدان الماصة للدم (البلهارسيا)، بشكل كامل على العناصر الغذائية الموجودة في جسم العائل.
وأظهرت دراسات سابقة أن إضافة فيتامين C إلى بيئة هذه الطفيليات يزيد من تكاثرها وقدرتها على وضع البيوض.
ومن هنا، طرح العلماء فرضية مفادها أن الجسم قد يكون تعمد، عبر التطور، إيقاف إنتاج فيتامين C لحرمان الطفيليات من عنصر حيوي لبقائها وتكاثرها.
تجربة علمية تؤكد الفرضية
لاختبار هذه النظرية، قام فريق من مهندسي التكنولوجيا الحيوية بتطوير سلالة خاصة من الفئران تفتقر إلى جين GULO، تماما مثل البشر، وبالتالي لا تستطيع تصنيع فيتامين C.
تم تقسيم الفئران إلى مجموعتين:
فئران عادية قادرة على إنتاج فيتامين C
فئران معدلة وراثيا غير قادرة على إنتاجه
ثم أُصيبت المجموعتان بطفيلي Schistosoma mansoni، المسبب لمرض البلهارسيا.
نتائج مذهلة للتجربة
أظهرت النتائج فروقا واضحة بين المجموعتين:
الفئران الطبيعية عانت من أعراض شديدة، شملت تضخم الكبد والطحال، والتهابات قوية ناتجة عن أعداد هائلة من بيوض الطفيليات.
أما الفئران غير القادرة على تصنيع فيتامين C، فقد كانت أكثر حماية، إذ بقيت الطفيليات على قيد الحياة، لكن إناث الديدان لم تستطع إنتاج بيوض ناضجة.
وتُعد بيوض البلهارسيا السبب الرئيسي لتلف الأنسجة وانتشار المرض، لذا فإن غيابها جعل العدوى أخف وأقل فتكا.
لماذا كان هذا التغير مفيدا تطوريا؟
يشير العلماء إلى أن الامتناع التام عن فيتامين C يؤدي في النهاية إلى مرض الإسقربوط، لكن تطور هذا المرض يحتاج إلى أشهر من النقص الحاد.
في المقابل، يمكن للطفيليات أن تقتل العائل خلال فترة قصيرة.
لذلك، في البيئات البرية القديمة، كان النجاة السريعة من العدوى أكثر أهمية من المخاطر الصحية طويلة الأمد الناتجة عن نقص الفيتامين.
إعادة تقييم “عيوب” الجسم البشري
يؤكد الباحثون أن هذا الاكتشاف يدفع إلى إعادة النظر في ما نعتبره نقائص أو عيوبا بيولوجية في جسم الإنسان، إذ قد تكون في الواقع مزايا تطورية ساعدت أسلافنا على البقاء في بيئات مليئة بالأمراض والطفيليات.