مسقط … حين تتكلم الدبلوماسية همسا ويُصاغ القرار بهدوء
مقالات
مسقط … حين تتكلم الدبلوماسية همسا ويُصاغ القرار بهدوء
وائل المولى
11 شباط 2026 , 16:28 م

على مدى سنوات، باتت العاصمة العُمانية مسقط عنوانا شبه دائم للمفاوضات الصامتة بين خصوم لا يثقون ببعضهم، لكنها المدينة التي يثقون بها. مسقط لا تشبه العواصم التي تحول الوساطة إلى استثمار سياسي أو دعاية بل تمارس دورها كوظيفة استراتيجية لتخفيف التوتر، لا لاستثماره. في منطقة تُدار أزماتها عادة بالاستقطاب الحاد والبيانات النارية، تبرز مسقط كاستثناء نادر؛ عاصمة هادئة، لكنها حاضرة في قلب أكثر الملفات تعقيدا، ومنصة وساطة إقليمية ودولية متعددة الاتجاهات.

الحوار الإيراني–الأمريكي شكّل أبرز العناوين المرتبطة بدورها، لكنه لم يكن الوحيد. مسقط لم تكن وسيطا ظرفيا، بل دولة بنت سياستها على فكرة واضحة إبقاء قنوات التواصل مفتوحة حين تُغلق في العواصم الأخرى.

الحياد العُماني لم يكن شعارا إعلاميا، بل ممارسة يومية انعكست في علاقات متوازنة مع أطراف متخاصمة من إيران ودول الخليج، إلى واشنطن ودمشق زمن النظام السابق ، وصولاً لأطراف النزاع اليمني، وقوى إقليمية ودولية متنافسة. هذا التوازن جعل من مسقط مساحة مقبولة للجميع، لا يشعر فيها أي طرف بأنه يدخل ساحة خصمه، ولا يُحرج بالجلوس إلى طاولة واحدة مع من يخاصمه سياسيا أو عسكريا.

والدور العماني لم يقتصر على جمع الفرقاء بل تعدى ذلك إلى المشاركة في جهود إنسانية وتبادل أسرى بعيدًا عن الأضواء. هذه الأدوار لم تُسوَّق سياسيا، لكنها رسّخت صورة مسقط كوسيط موثوق، لا يتعامل مع الوساطة كاستثمار نفوذ، بل كوظيفة استقرار.

ما يميز الدبلوماسية العُمانية أن رأس مالها الحقيقي ليس النفوذ الصلب، بل الثقة بقدرتها على حفظ الأسرار، وعدم تحويل الوساطة إلى منبر ضغط أو تسجيل نقاط. في عالم تُدار فيه المفاوضات تحت ضغط الإعلام والرأي العام، توفّر مسقط ميزة نادرة وهي التفاوض في بيئة معزولة عن الاستعراض، حيث تُناقش الأفكار وتُقاس النتائج بما يتحقق لا بما يُعلَن.

الموقع الجغرافي لعُمان على مشارف مضيق هرمز، قربها من إيران وانتمائها العربي الخليجي، يضيف بعدًا رمزيًا لدورها. فهي ليست جزءًا من خطوط المواجهة، بل تقع على تخومها، ما يؤهلها للعب دور الجسر بين ضفتين متقابلتين.

مسقط لم تصبح مركزا دائما للمفاوضات لأنها الأقوى نفوذا، بل لأنها الأكثر هدوءا وثباتا. في زمن الانفجارات الكبرى، تبقى مسقط نموذجا لدبلوماسية الهمس … التي لا تصنع العناوين، لكنها كثيرا ما تصنع النتائج، بنموذج قائم على التهدئة، لا الاصطفاف، وإدارة الخلافات بدلاً من تضخيمها.

المصدر: موقع اضاءات الإخباري