الأرمن .. حين يصبح الشعب جسراً بين الحضارات
مقالات
الأرمن .. حين يصبح الشعب جسراً بين الحضارات
وائل المولى
14 شباط 2026 , 18:49 م

في زمنٍ تتصادم فيه الهويات، وتعلو فيه الجدران أكثر مما تُمدّ الجسور، تبدو تجربة الأرمن درسا حيا في كيفية تحوّل شعبٍ بأكمله إلى مساحة تلاقٍ حضاري بين الشرق والغرب. فالأرمن، بحكم الجغرافيا والتاريخ والمحنة، لم يكونوا مجرد أقلية عابرة في خرائط الإمبراطوريات، بل كانوا في كثير من المراحل نقطة تماس ثقافي بين العالم العربي وأوروبا.

تقع ارمينيا على تخوم آسيا وأوروبا، في منطقة شكّلت عبر القرون مفترق طرق للقوافل والجيوش والأفكار. هذا الموقع لم يكن عبئا جغرافيا فحسب، بل تحوّل إلى وظيفة تاريخية الوساطة الحضارية. فالتاجر الأرمني الذي تنقّل بين حلب والبندقية لم يكن ينقل الحرير والتوابل فقط، بل كان ينقل لغةً وعاداتٍ وأنماط تفكير. وهكذا تداخل الاقتصادي بالثقافي، والتجاري بالمعرفي.

في المشرق العربي، اندمج الأرمن في المجتمعات التي استقروا فيها دون أن يتخلوا عن هويتهم. في القدس مثلا، يشكّل الحي الأرمني أحد أقدم مكونات المدينة القديمة، شاهداً على حضورٍ متواصل منذ قرون. وفي بيروت والقاهرة ودمشق، كان للأرمن دور بارز في الطباعة والصحافة والحِرَف الدقيقة والفنون. لقد ساهموا في تحديث تقنيات الطباعة العربية في القرن التاسع عشر، وأسهموا في إطلاق صحف ومطابع لعبت دورا في نهضة فكرية عربية أوسع.

أما في أوروبا، فقد تحوّل دير سان لازارو ديلي أرميني في البندقية إلى مركز إشعاع ثقافي، تُرجمت فيه نصوص بين الأرمنية والعربية واللغات الأوروبية. لم تكن الترجمة فعلا لغويا فحسب، بل كانت عملية عبورٍ للأفكار بين ضفتين، تُخفف من وطأة الجهل المتبادل، وتفتح الباب أمام فهمٍ أعمق للآخر.

إنّ قوة الدور الأرمني لم تكن في امتلاك السلطة، بل في امتلاك القدرة على التكيّف الخلّاق. لقد عرف الأرمن كيف يكونون جزءا من النسيج العربي، دون أن يذوبوا فيه، وكيف ينخرطون في الفضاء الأوروبي دون أن ينقطعوا عن جذورهم الشرقية. هذه الثنائية جعلت منهم “دبلوماسيين ثقافيين” بامتياز، حتى من دون صفة رسمية.

اليوم، وفي عالمٍ يبحث عن صيغ جديدة للحوار بين الحضارات، تبدو التجربة الأرمنية نموذجا قابلا للاستلهام. فالتقريب بين العرب والأوروبيين لا يتحقق عبر البيانات السياسية وحدها، بل عبر جسورٍ بشرية حيّة، صنعتها شعوب عرفت معنى التعدد والتعايش. والأرمن، في هذا السياق، لم يكونوا مجرد شهود على التاريخ، بل أحد صانعي جسوره الهادئة.

هكذا، يصبح الحديث عن الأرمن حديثا عن فكرةٍ أوسع أن الهوية ليست جدارا، بل معبرا. وأن الشعب الذي يعرف كيف يحافظ على ذاته، ويُحسن في الوقت نفسه مخاطبة الآخر، قادرٌ على أن يكون حلقة وصل بين حضارتين، لا ساحة صراع بينهما …

المصدر: موقع اضاءات الإخباري