“ رغم انشغالها بالزود عن ترابها وسيادتها والدفاع الأسطوري عن شعبها العظيم، وعن شرف وكرامة الأمة العربية والإسلامية، وتسطر أروع الملاحم والبطولات، تبقى طهران صانعة الذكرى ومذكرة العالم بواجب الاحتفاء بيوم القدس، رمز الحق والضمير المستيقظ عبر الأزمنة".
في الجمعة الأخيرة من شهر الرحمة والصيام، رمضان المبارك لعام 2026، حين تتصادف هذه الأ يام من العشر الأواخر مع ليلة القدر المباركة، تطل علينا ذكرى يوم القدس العالمي مجددا كصرخة ضمير، ونداء إرادة، وموجة ضوء تتسرب إلى الأفئدة قبل العيون، مناسبة تتجسد فيها مشاعر الأمة جمعاء، وتتلاحم الأصوات للأحرار والأشراف من كل أصقاع الأرض، لتتحد القلوب في تضامن لا يعرف الحدود مع فلسطين الحبيبة والقدس الشريف.
ومن هنا أكتب هذه الكلمات بتناسق، ليس كمجرد سرد، بل تحليل منطقي وفلسفي بلاغي يشرح ويقنع، ويبرز فضائل الجمهورية الإسلامية الإيرانية قيادة وجيشا وشعبا محافظا على قيمه ومبادئه، كأنه خيط من نور يمتد بين الماضي والحاضر والمستقبل.
إن تاريخ هذا اليوم يرتبط إرتباطا وثيقا بثورة 1979 التي أعادت البلاد إلى مسارها المستقيم، وحررت شعبها العظيم من براثن الإمبريالية الغربية ومخالبها، وأرست قواعد السيادة والاستقلال، مؤكدة أن حماية بيوت الله والقرآن الكريم ليست شعارا بل ممارسة يومية متجددة. فقد أراد قائد هذه الثورة أن يكرم هذا اليوم كمناسبة عالمية لتجديد الالتزام بالقدس ودعم قضية العرب والمسلمين الأولى ومسجد الإسراء والمعراج والمقدسات الإسلامية لتكون كرسالة لكل حر وعاقل.
أن قدس الأقداس ليست مجرد أرض، بل قلب الأمة النابض بالعدالة والكرامة.
ومنذ ذلك الحين، وقيادة الثورة تقود البلاد بحكمة وصبر إستراتيجي، مواجهة محاولات الهيمنة والعدوان والإستكبار الأحادي القرار، محافظة على الحق والمقدسات، متصدية لكل محاولات التهويد و التدنيس سواء للأقصى الشريف أو لكنيسة القيامة وبيت لحم مهد السيد المسيح عيسى بن مريم عليه وعلى أمه السلام. في رسالة واضحة لكل العالم: ” القدس والحقوق المقدسة لا تقبل المساومة، ولا يحق للظلم أن يمر على أرضها دون حساب.
حيث تدعو طهران الأحرار والأشراف للإحتفاء بهذا اليوم العظيم الذي أصبح يدق الأبواب، لتجديد التضامن مع فلسطين، وإعلاء القيم الإنسانية، ومواصلة مؤازرة الكفاح العادل والمحق المطالب بالتطهير والتحرير، كما تحذر بعض الأشقاء من مخاطر الخضوع أمام القوى الاستعمارية، مؤكدة ان الدور قادم، وأن الحق سيبقى قائما رغم كل التكالب وضغوط المؤامرات.
ومن خلال التحليل المنطقي الذي يعكس تقديري الكامل لمواقف القرار الإيراني وحكمة القيادة والتفاف الشعب الكريم، متصديا لكل الحملات الدعائية والمالية التي تمولها أذرع الهيمنة الغربية والصهيو_ إمبريالية، محاولة لتشويه صورة الجمهورية، لكن الواقع يثبت قوتها ومتانتها على حماية حقوق الشعوب. فهذا اليوم العظيم ليس مجرد ذكرى، بل منصة استثنائية للتحليل الاستراتيجي والفكر المنطقي، كما أنها مناسبة لتقيم تجربة دولة ناضجة تجمع بين سيادة القرار، حكمة السياسة وحماية الأمة من أطماع القوى الاستعمارية والتوسعية.
لقد أعادت الثورة بناء الأمة على أسس القرآن الكريم والسيرة النبوية الطاهرة، مع مراعاة القيم الأخلاقية، بروح التمدن والوسطية لتصبح نموذجا للدولة العادلة، التي تحمي حقوق شعبها أولا وتؤازر الأشراف في كل مكان.
وبهذا يتحول يوم القدس إلى مناسبة عالمية تذكر المسلمين والأحرار بالقيم الأصيلة، وتبرز مكانة القدس كرمز للوحدة والعدالة والنضال المشروع، مع التنبيه من يوم القدس الاسرائيلي، الذي يمثل احتفالا بالاحتلال منذ 1967.
إن الشهيد القائد سليماني كان رمزا حيا للشجاعة الاستراتيجية والتضحيات الكبرى، قاد لواء القدس بهيبة وبسالة، ليحمي الحقوق، ويدعم المقاومة اللبنانية والفلسطينية، ويضمن استمرار المسار النضالي، وتحويل قدس الأقداس إلى محور لا يمكن تجاوزه في السياسات الإقليمية والدولية.
كما أن طهران تحملت ولا زالت أقسى الضغوط الاقتصادية والحملات الدعائية بسبب تلك المواقف.
مؤكدة أن الدفاع عن الحق والمقدسات لا يخضع للمساومة، وأن القوة الأخلاقية والسياسية لا تقل أهمية عن القوة العسكرية.
يوم القدس العالمي هو انعكاس لكل هذه المبادرات رمز للوعي الجمعي مقياس لصمود الشعوب ودعوة لكل القوى للإلتزام بالحق، والعودة إلى قيم العدالة والحرية وتأكيدا أن القدس ستظل محور الأمة، وأن إيران شعبا وجيشا ستبقى صمام الأمان وصونا للمقدسات والزود عن العدالة العالمية.
إن هذا اليوم المتزامن مع ليلة القدر المباركة يتجلى أمامنا كصرخة ضمير وأيقونة إرادة تتجمع فيها قلوب الأحرار حول العالم، وتؤكد أن الدفاع عن مسجد الإسراء والمعراج والقدس وربوع فلسطين ليس رفاهية بل واجب أخلاقي واستراتيجي وتذكير بأن القيادة مع شعبها وجيشها وحرسها المنيع تظل نموذجا حيا للفصائل والتزاما بالقيم القرآنية والسيرة وإرادة فولاذية في مواجهة العدوان.
فالقدس وكما أرادها مفجر الثورة، ستظل نبراسا للأمة وصدى للمقاومة ومرآة للحق والعدالة ودرسا للأجيال.
إن الإرادة الصادقة والتحليل المنطقي والشجاعة الأخلاقية هي الأسلحة الحقيقية لمواجهة الظلم وحماية الأرض، وتبرهن أن قيادة طهران وعلى الرغم من ارتقاء مرشدها الأعلى السيد خامنئي ” ق" إلى الأعلى شهيدا في شهر الصوم والرحمة، بقذائف و صواريخ الغدر والحقد والعدوان ستبقى راية الجمهورية الإسلامية الإيرانية عالية خفاقة بيد أمينة تتابع المشوار. لقد رحل عنا قائد الأمة الإسلامية جسدا وبقي فينا فكرا عظيما نقتدي به ونتابع المسيرة العطائية كما أرادها سيد السادة والسيادة، جعل الله روحه الطاهرة في الفردوس الأعلى.
في زمن التحول والتحديات الكبرى...ولتبقى القدس رمزا خالدا للأمة والحق وقلبها النابض بالحرية والكرامة.
مفكر وكاتب دمشقي.