الدور الوظيفي
مقالات
الدور الوظيفي
م. زياد أبو الرجا
29 أيار 2026 , 11:14 ص

خضعت البلاد العربية لسيطرة الامبراطورية اليونانية،والرومانية ، فقد سيطر الاسكندر الكبير( ٣٥٦-٣٢٣ ق.م) على اراض واسعة، واسس امبراطورية شاسعة الارجاء ذات منافذ على البحر الأحمر والخليج ، وبعد أن استولى على مصر والهلال الخصيب، فكر في السيطرة على جزيرة العرب، وفي جعلها جزءا من امبراطوريته ، ليتم له بذلك الوصول إلى سواحل المحيط الهندي، والسيطرة على تجارة افريقيا واسيا، وتحويل ذلك المحيط الى بحر يوناني. انتهز حكام روما فرصة ضعف خلفاء الاسكندر، وانحلال المملكة العظيمة التي كونها ذلك الفاتح، فاستولوا على مقاطعة مقدونيا وعلى جزر اليونان واسيا الصغرى وبلاد الشام وافريقيا وفي ضمنها مصر، فاصبحوا بذلك كما كان شأن البطالمة على اتصال بالعرب مباشر . وبهذا الاتصال بدأت علاقات العرب بالرومان، وتم ضم بلاد الشام إلى الأملاك التي استولت عليها روما وجعلتها مقاطعة من المقاطعات الرومانية.

كانت بادية الشام ميدانا للقبائل، تتصارع فيه كيف تشاء ، تبرز فيه قبيلة ، ثم ينطفيء اسمها،لتظهر قبيلة اخرى . لم يكن ذلك ليهم الدول الكبرى اليونانية والرومانية ما دام ذلك الصراع في مواضع بعيدة فى حدودها. فاذا بلغ الحد، اضطرت تلك الدول الوقوف بحزم وصرامة امامه، اذا كانت تملك الحزم والقوة، ولصعوبة قيام جيوشها النظامية بتعقب القبائل المغيرة وملاحقتها في البادية ، عمدت إلى استرضاء سادات القبائل الكبيرة ذات العدد الكبير، بالهدايا والمنح المالية المغرية والامتيازات وبالالقاب للقيام بحراسة الحدود ومراقبتها، وبتعقب القبائل التي قد تتجاسر فتغزو الحدود منتهزة مواطن الضعف والثغرات.

ولم تكن مهمة حفظ الحدود مهمة سهلة هينة، حتى على اهل البادية انفسهم، فمنطق القبائل : ان القبيلة اذا كانت قوية ذات بأس ، وشعرت بقوتها، جاز لها ان تطلب لنفسها ما تشاء وان تغزو من تشاء كائنا من كان. وطالما صار من توكل اليه حراسة الحدود نفسه هدفا للغزو، لانه لم يطعم الغازين، ولم يقدم لهم ما يرضيهم من ترضيات واعطیات، او لان الغازين رأوا في قرارة انفسهم انهم أحق بحماية الحدود من الذين يقومون بحمايتها في هذا الزمن ولهذا يرون وجوب انتزاعها منهم بالقوة، كما انتزعها هؤلاء القائمون بالحماية ممن سلفهم. فلا يكون امام الدول الكبرى غير الموافقة والتسليم، ودفع الجعالات التي كانوا يدفعونها إلى الحرس القديم ، إلى الحرس الجديد الذين اظهروا قوة فاقت قوة القدماء في ميدان التنافس والقتال . وما الذي يهم الدول الكبرى في مثل هذه المواقف غير حماية الحدود ؟

تم حدث تطور خطير في الشرق الادنى بعد الميلاد، فقد زالت حكومة ( البارثيين ) ( الفرث ) ( البرث)،في حوالي سنة ( ٢٢٦ بعد الميلاد ) ، وحلت محلها حكومة عرفت بحكومة( الساسانيين ).وهي حكومة نبعت من ثورة على الحكومة السابقة ، تولى كبرها ملوك اقوياء اظهروا حزما وشدة جعلت الروم يهابونهم ، ويرون انهم مكافئون لهم في القوة . ولم يكن الروم ينظرون الى ( الفرث ) بهذه النظرة من قبل .

وحدت تطور مشابه في امبراطورية (روما ) ، فقد انقسمت الامبراطورية إلى قسمين، وصارت ( القسطنطينية) عاصمة للجزء الشرقي، الذي كون الامبراطورية ( البيزنطية ) . وذلك في سنة (٣٣٠م)، وتولت هذه الامبراطورية ارث النزاع مع الفرس، النزاع الموروث من الاسكندر . واصبحت بحكم وجودها في بلاد الشام وفي مصر على اتصال بالعرب في البر وفي البحر .

وكان لا بد للساسانيين والبزنطيين من التعامل مع العرب، ومن استرضائهم ، ووضع حساب لهم. فقد كانت لكل من الامبراطوريتين حدود واسعة معهم كما كان في كل منهما قبائل ذات شأن نازلة في ارضها في مناطق حساسة في حافات الحدود . واما البادية : بادية الشام التي تملأ الهلال الخصيب فقد كانت مملوءة بقبائل عربية في تنقل

مستمر وحركة دائمة من مكان إلى مكان. اذا وجدت ارضا خصبة عاشت عليها ، والا كسبت معيشتها بالغزو. تغير على ارض الفرس او الروم، فاذا جابهتها قوة ، تقهقرت إلى البادية حيث يعسر على غير الاعراب ولوجها لتأديبهم . ولهذا لم يكن امام الحكومات الكبيرة الا استرضاء تلك القبائل ، لصيانة حدودها والاستفادة منها في القاء الرعب في قلوب الاعداء والخصوم . استمر الحال على ما هو عليه حتى بزوغ الدعوة الاسلامية في بداية القرن السابع الميلادي،حيث تمكن صاحب الدعوة من جمع كلمة العرب على قلب رجل واحد. ومن بعده الخلفاء في تكوين امبراطوريتي الاسلام. الأموية والعباسية، وصار العرب سادة العالم . ثم اخذت الامبراطورية العباسية بالانحطاط والتفسخ الداخلي،الذي كان احتراب المذاهب السنية والشيعية احد اهم اسبابه ثم جاء الغزو المغولي بقيادة هولاكو عام ١٢٥٨م وقضى عليها . قامت الدولة الطولونية التى اسمها احمد بن طولون خلال تعاظم الترك في الدولة العباسية وسيطرة الحرس التركي على مقاليد الامور. فتمددت باتجاه الشام لتكون بذلك أول دويلة تنفصل سياسيا عن الدولة العباسية،وتنفرد سلالتها بحكم الديار المصرية والشامية.

في بداية القرن السادس عشر الميلادي اجتاحت الجيوش العثمانية بلاد الشام والحقت هزيمة نكراء بجيوش المماليك وقضت على حكمهم في مصر . ورزخ العالم العربي تحت الحكم العثماني لمدة اربعة قرون من الزمن، وغيب العرب عن لعب دور في ادارة شؤونهم،وتقرير مصائرهم.

تمت هزيمة الامبراطورية العثمانية،واستسلامها لجيوش الحلفاء بريطانيا وفرنسا .في الحرب العالمية الاولى.شهدت نهاية القرن التاسع عشر نشأة الحركة الصهيونية التي نظر لها ثيودور هرتزل.وعقد المؤتمر الصهيوني في مدينة بازل في سويسرا عام ١٨٩٧م.واسس المؤتمر (( المنظمة الصهيونية العالمية )).الذي اقر برنامج اقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.كما شهد العقد الثاني من القرن العشرين توقيع اتفاقية سايكس-بيكو عام ١٩١٦ بين بريطانيا وفرنسا بمصادقة من روسيا وايطاليا.وصدور وعد بلفور عام ١٩١٧.

حددت اتفاقية سايكس-بيكو اقتسام النفوذ في منطقة الهلال الخصيب،وتحديد مناطق السيطرة في غرب اسيا بعد انهيار الامبراطورية العثمانية.اعادت هذه الاتفاقية رسم خريطة الشرق الاوسط حيث قسمت المنطقة الى كيانات ودول جديدة.تعتبر اتفاقية سايكس-بيكو بمثابة حجر الاساس الذي اسس للحدود السياسية الحالية في المشرق العربي.

ومما ترتب عن نتائج الحرب العالمية الاولى بروز ظاهرتان هما الحركة القومية العربية،تطرح خصوصية الامة العربية بين الشعوب الاسلامية،ومشروع حكومة الانتداب البريطاني على ارض فلسطين باتخاذ الاجراءات العملية لخلق الكيان الصهيوني كقاعدة متقدمة للامبريالية العالمية التي تتزعمها للتصدي لنضال حركة الجماهير العربية واحباطه.فالمشروع الصهيوني في جوهره شقان:الاول يهودي وما يتعلق بالمسألة اليهودية،اما الشق الثاني للمشروع الصهيوني فهو الامبريالي،المنطلق من ارضية الاطماع الامبريالية في ثروات العالم العربي واسواقه التجارية ومرافقه الاستراتيجية،وهو الذي يمد الشق الاول بوسائل القوة المتفوقة والحياة.والتقى الشريكان ولكل اسبابه الخاصة ونظرته الى شقه من المشروع المشترك، على

اختيار فلسطين قاعدة للاستيطان الصهيوني.

لعب موقع فلسطين الاستراتيجي،في قلب العالم العربي،دورا حاسما في قرار الشريك الاكبر،والاول( الاصغر) ارادها لبناء دولته اليهودية،والثاني لاقامة قاعدته العدوانية على جماهير الامة العربية.ولان الاثنين اراداها ((قاعدة امنة ))هذا لاستيطانه،وذاك لعدوانه،كان لا بد من اجلاء سكان فلسطين الاصليين عنها،وبالتالي تهويدها من خلال التطهير العرقي والمجازر-ارضا وشعبا وسوقا.

فامن القاعدة وامن المصالح الامبريالية في الاقليم،فرض لزوم خلق كيانات عربية مهمتها حماية وحراسة حدود الكيان والمصالح الامبريالية،على غرار القبائل العربية التي كانت تقوم بحماية وحراسة حدود الامبراطوريات القديمة.كانت ملاحظة كارل ماركس (( ان التاريخ يعيد نفسه بداية كمأساة ثم كملهاة ))فيما يتعلق بالدور الوظيفي للعرب.

لكن السؤال هو(( اذا كان الاسلام هو البوتقة التي صهرت العرب وسبكتهم في قالب واحد.فما هي بوتقة العصر التي نحتاجها لصهر هذا التفتت العربي بعد ان صار يرى في الكيان الاسرائيلي ملاذا له،بدءا من الفلسطيني وانتهاءا بابعد شرذمة في العالم العربي؟

مهندس / زياد ابو الرجا