عبد الحميد كناكري خوجة: أنسنة الإنسان بالإنسانية.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: أنسنة الإنسان بالإنسانية.

عبد الحميد كناكري خوجة: أنسنة الإنسان بالإنسانية.

”حين تصبح الرحمة مقاومة، ويغدو الضمير العالمي آخر المتاريس في وجه التوحش والاقتلاع. وحين يختبر الحس الحضاري بين الركام والصمت."

في زمن تتراجع فيه البوصلة الأخلاقية تحت ضغط القوة، وتعاد فيه صياغة الإنسان بوصفه رقما عابرا في خرائط الصراع، يبرز سؤال ثقيل لا يحتمل التزين: كيف يمكن لعالم أن يتحدث عن المدنية، بينما تدفن الطفولة تحت الركام، وتمحى البيوت من الذاكرة، ويختزل الألم إلى خبر سريع العبور؟

ما يجري في قطاع غزة وجنوب لبنان لا يمكن اختزاله في توصيفات سياسية أو عناوين إخبارية عابرة، بل هو امتحان قاس لضمير البشرية، واختبار يكشف عمق التناقض بين الخطاب الإنساني والواقع الميداني. هناك، حيث تتحول الجغرافيا إلى مساحة كثيفة من الألم، تمحى أحياء كاملة، وتستنزف مدن، وتقتلع أسر من جذورها، وتطارد الأرواح بالنار والدخان والخذلان.

”بصمات أصابع الديمقراطية الصهيو_أمريكية بترليونات بعض عشاق الأبراج الزجاجية العالية والكراسي المرصعة."

لا تمييز في المشهد بين رضيع ومسن، بين مأوى وشجرة، ولا بين بشر وحجر؛ وكأن آلة الدمار تسعى إلى محو المعنى قبل الجسد. ومع تكرار الصورة يوما بعد يوم، يتآكل الإحساس العالمي شيئا فشيئا، وتتحول المأساة إلى رقم عابر في نشرات الأخبار، بينما الحقيقة أعمق بكثير: إنها انهيار تدريجي في الحس الأخلاقي للإنسان المعاصر، وتآكل في ذاكرته العاطفية أمام هول ما يرى وما يقال.

إن أنسنة الإنسان لا تبدأ من المنابر، ولا من البيانات، بل من لحظة إيقاظ الضمير من سباته العميق؛ أن يرى العالم في الطفل الفلسطيني ابنه، وفي الأم اللبنانية أمه، وفي الضحية صورة الإنسان ذاته، لا كيانا بعيدا عن الحساب. فالرحمة ليست ضعفا، بل وعي راق، والوقوف مع المظلوم ليس انحيازا، بل دفاع عن جوهر الإنسان قبل أن يتشظى تحت ضغط الصمت والتطبيع مع الألم.

إن أخطر ما يهدد البشرية اليوم ليس الدمار وحده، بل الاعتياد عليه؛ حين يتحول الألم إلى اعتياد مألوف لا يحرك الوجدان. عندها فقط تبدأ الكارثة الحقيقية، لأن فقدان القدرة على التأثر هو بداية فقدان الإنسان لإنسانيته دون أن يشعر. فالحضارات لا تنهار فقط تحت القصف، بل تحت الصمت الطويل، وتحت التبلد أمام الحقيقة.

إن أنسنة الإنسان بالإنسانية هي محاولة لاستعادة المعنى المفقود، وإعادة بناء الجسر بين الوعي والرحمة، وإحياء الضمير الذي يرفض تحويل الألم إلى عادة، والضحية إلى رقم، والخراب إلى خبر عابر. فالكلمة الصادقة ليست ترفا لغويا، بل فعل مقاومة أخلاقية في وجه التوحش الرمزي الذي يبتلع الحس الإنساني.

وفي لحظة الحقيقة، لا يبقى من الجوهر البشري إلا ما يحمله من رحمة، ولا من الحضارة إلا ما تتركه من أثر أخلاقي في ذاكرة البشر. لذلك فإن المعركة اليوم ليست سياسية فقط، بل وجودية في جوهرها: معركة لإعادة الإنسان إلى إنسانيته قبل أن يتحول العالم إلى صمت طويل بلا ضمير، ولا ذاكرة، ولا معنى. وحين يعجز القلب عن الإرتعاش أمام دمعة طفل أو أنين أم، يصبح الخراب مقيما في الروح قبل المدن. فالعالم لا تنقذه ترسانات القوة، بل تنفذه يقظة الضمير حين يرفض التعايش مع الألم. ومالحضارة إلا امتحان أخلاقي طويل؛ فإن سقطت الرحمة من وجدان البشر، سقطت الإنسانية كلها في هاوية الصمت، وتحول الكائن البشري إلى ظل بلا معنى ولا ذاكرة ولا نور.

ننحني إجلالا واحتراما لأمهات وآباء وشقيقات في جنوبنا اللبناني العظيم وقطاع غزة العزة وإيران من رفعت راية القرآن وكرمت آل بيت أشرف الخلق محمد ”ص" الصادق الوعد نبينا العدنان، وتبنت الدفاع عن المسجد الأقصى المبارك وقدس الأقداس وعن الكرامة العربية وأعادت للأمة الإسلامية عزتها وكرامتها المفقودة ومرغت أنوف قوى الطغيان والإستكبار والشر والعدوان ووقفت ولا تزال كصخرة منيعة وكقلعة فولاذية بوجه ريح الهيمنة والأطماع والتوسع العاتية وعلى الرغم من شماتة الطائفيين، وحقد الحاقدين.

نعم فلنحني رؤوسنا لأولائك. من كانوا فخرا وعزا لنا ولأمتنا العربية والإسلامية برمتها من ذاقوا لوعة الفقدان والأسى والأذى، والشظى واللظى، راجين من الله سبحانه الشفاء للمصابين والجرحى والنصر المبين للعاكفين في الثغور والخنادق ممتشقين جعاب الرصاص والبنادق دفاعا عن أمنهم وإيمانهم وأمانهم وسلامة تراب أوطانهم. وللحرية الحمراء باب بكل يد بالدماء الذكية يدق. هاؤلاء الأشرف هم حقا من يعيد للإنسانية بريقها وللإنسان موقعه الحقيقي.

كاتب دمشقي حر.