✍️عبدالله علي هاشم الذارحي
ليست أربعينية الإمام الحسين بن علي عليهما السلام مجرد مناسبة دينية تُستعاد فيها ذكرى أليمة، ولا مجرد مسيرة مليونية يتجه فيها الزائرون إلى كربلاء، لكنها إعلانٌ متجدد بأن مبادئ الحق والعدل والكرامة لا تموت، وأن الدم الذي سُفك في كربلاء ما زال يصنع الوعي، ويوقظ الضمائر، ويرسم للأحرار طريق العزة والكرامة والحرية.
لقد أراد طغاة بني أمية أن يدفنوا الحسين مع جسده الطاهر في صحراء كربلاء، فإذا بدمه يتحول إلى مشعل يهدي الأجيال، وإذا بصرخته الخالدة: "هيهات منا الذلة" تصبح شعارًا لكل شعب يرفض الخضوع، ولكل أمة تأبى الاستسلام، ولكل حر يقف في وجه الظلم والطغيان.
إن الملايين التي تسير اليوم إلى كربلاء من مختلف البلدان والأعراق واللغات، سيرًا على الأقدام، لا يجمعها لون ولا قومية ولا مصلحة دنيوية، وإنما يجمعها حب الحسين،والإيمان بقضيته، والوفاء لمبادئه.
إنها أعظم رسالة للعالم بأن الحق لا يُقاس بعدد الجيوش، وإنما بثبات الإيمان والموقف وصدق وعدالة القضية.
لقد حاول الطغاة عبر التاريخ طمس ذكر الحسين، فمنعوا زيارته، وهدموا قبره، وقتلوا زائريه، لكنهم فشلوا جميعًا، لأن
الله أراد أن يبقى الحسين منارةً للأمة،
وأن تبقى كربلاء مدرسةً يتعلم منها الأحرار كيف تكون التضحية في سبيل الله، وكيف يُصنع النصر بالصبر والثبات.
إن زيارة الأربعين ليست مجرد مشهد إيماني عظيم، لكنها أيضًا رسالة سياسية وأخلاقية وإنسانية تؤكد أن الأمة التي تتمسك بقيم الحسين لا يمكن أن تُهزم، وأن الشعوب التي ترفض الظلم قادرة على المواجهة والنصر وصناعة مستقبلها مهما كانت التحديات.
واليوم، في ظل ما تشهده أمتنا من عدوان صهيو أمريكي واحتلال وحصار، تتجدد معاني كربلاء، ويستحضر الأحرار دروس الإمام الحسين في جهاده ضد الباطل، والثبات على الحق، ورفض الخنوع مهما بلغت التضحيات.
فالإمام الحسين لم يكن طالب سلطة، وإنما كان حامل رسالة، ولم يخرج طلبًا للدنيا، وإنما خرج لإحياء قيم الإسلام، وإصلاح الأمة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولهذا، فإن فعاليات زيارة أربعين الإمام الحسين ليست ذكرى للماضي،إنما مشروع وعيٍ للمستقبل، وتجديدٌ للعهد بأن تبقى راية الحق مرفوعة، وأن تبقى كربلاء عنوانًا للكرامة، ومنبرًا للأحرار، ومدرسةً يتخرج منها الرجال الذين لايبيعون دينهم وأوطانهم، ولا يساومون على عزتهم.
فسلامٌ الله على الإمام الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين، وسلامٌ على كل من سار على دربه، وتمسك بمبادئه، وجعل من كربلاء نبراسًا للحرية والكرامة، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.