«عند تقاطع القامة بالمقام، والفقه بالرؤية، والثبات بالشهادة...حديث عن قائد صار مدرسة للأمة.»
لم يكن الانشغال بسيرة ومسيرة فقيد الأمة الإسلامية السيد علي خامنئي استجابة لعاطفة طارئة، بل قراءة في نموذج قيادي نادر جمع بين العلم والسلطة، وبين الفقه والرؤية، وبين الثبات على المبدأ وحسن تقدير المآلات. فمثل هذه الأعلام لا تفهم بوصفها أسماء في سجل السياسة فحسب، بل بوصفها علامات فارقة في تاريخ أمة تبحث عن توازنها وسط العواصف.
ولد سماحة السيد علي خامنئي في 19 أبريل/نيسان 1939 في مشهد بإيران، ونشأ في بيئة علمية صاغت مبكرا ملامح تكوينه الروحي والفكري. وقد منحه هذا المسار قدرة على وصل المعرفة الشرعية بقراءة الواقع المعاصر، فصار حضوره يتجاوز حدود الوعظ إلى دائرة الفعل المؤثر، حيث تتقاطع المرجعية الدينية مع الوعي السياسي في شخصية واحدة، وقد تميزت سيرته بموقف واضح من المخطط الصهيوني التوسعي والهيمنة الأمريكية، إذ رأى أن الكرامة الإسلامية لا تصان بالمساومة، بل بالصمود والوعي ووحدة الصف. ومن هذا المنطلق، ظل من أبرز الأصوات التي دافعت عن القضية المركزية الفلسطينية والمقدسات الدينية، وساندت قضايا المكلومين، ورفضت بشدة إخضاع العالم الإسلامي لإرادة الاستضعاف والإخضاع. ولم تقتصر فضائله على الساحة السياسية، بل امتد أثره إلى ميادين الثقافة القرآنية؛ فدعم تلاوة وتجويد القرآن الكريم ورعاية القراء، وجعل من طهران منصة لتكريم الأصوات التي تحمل كتاب الله إلى قلوب الناس، فكان بذلك يعزز موقع آيات الذكر الحكيم في الوجدان العام لا بوصفه شعارا، بل باعتباره هداية عملية ومنهج حياة. كما ظل من أشد الداعين إلى وحدة الصف الإسلامي والحوار بين المذاهب، إيمانا منه بأن تمزق الأمة يفتح الأبواب على مصراعيها أمام الهيمنة والتفتيت.
وقد أظهر حرصا بالغا على أبناء الأمة، لا سيما الشباب والشرائح الضعيفة، فكان يربط بين العدالة الاجتماعية والاستقلال السياسي، وبين صيانة الهوية وحماية المستقبل. كما امتد هذا الوعي إلى اهتمامه بنصف المجتمع، من حيث تأكيده على دور المرأة في البناء والتربية وحفظ الذاكرة والقيم بما يجعل حضورها شريكا في النهضة لا هامشا فيها. وفي كل ذلك، ظل ينظر إلى العالم الإسلامي كجسد واحد، تتساند أطرافه حيث يشتد الخطب، وتلتقي قواه حين تشتد الحاجة إلى البصيرة. وبقي على هذا النهج السليم حتى ارتقائه إلى العلا شهيدا وبحسب تقارير دولية موثوقة في 28/فبراير/2026 خلال غارات العدوان العسكري الصهيوأمريكي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
إن السيد علي خامنئي ليس مجرد قائد سياسي، بل رمز لصياغة جمعت بين البصيرة والثبات، وبين الموقف والرسالة. ومن هنا تأتي الكتابة عنه بوصفها كتابة عن مدرسة من الصبر والوعي، وعن رجل صاغ قضايا الأمة نهجا وجوديا ورسالة مستمرة لا تنقطع، يقاوم بها تيارات الذبول والخذلان، ويزرع في ضمير الشعوب هوية لا تموت ولا تباع.
كاتب دمشقي حر.
راجيا من السادة القراء أن يبقوا اسم وصورة الكاتب عبد الحميد كناكري خوجة مرفقين عند النقل أو الاقتباس أو النشر أو المشاركة فهذا شرف لي.