عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
تعيش المنطقة والعالم اليوم واحدة من أخطر مراحل المواجهة الجيوسياسية، حيث تتداخل لغة التهديد العسكري مع "الإرهاب الاقتصادي" في محاولة لفرض معادلة جديدة على إيران. وفي حين يسعى الثنائي (ترامب-نتنياهو) إلى رسم خارطة طريق قوامها "الخضوع أو الانهيار"، تصطدم هذه الرغبات بحقائق تاريخية وروحية وقانونية لا يبدو أن ساكن البيت الأبيض يدرك أبعادها.
1. صدمة المكانة: "المرشد" ورمزية القوة الروحية التي يجهلها ترامب
يخطئ ترامب حين يتعامل مع إيران كشركة تجارية يمكن إخضاعها بالضغوط؛ فهو يجهل أو يتجاهل مكانة السيد القائد علي خامنئي، ليس فقط كقائد سياسي، بل كمقام روحي يمثل "رأس الهرم" في الوجدان الشيعي العالمي وولي أمر المسلمين.
دروس التاريخ: ما حدث خلال اليومين الماضيين وفقَا للتقارير الإعلامية تحدث وزير الخارجية الأمريكي بلغة إستعلائية وتكبر وعجرفة وتخلو من اللياقات الدبلوماسية، للتخاطب مع سماحة السيد القائد.
فقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن الرئيس ترامب "مستعد للقاء أي شخص كان"، حتى لو كان المرشد الإيراني علي خامنئي، وذلك في ذروة الأزمة بين البلدين.
وأوضح روبيو في مقابلة مع "بلومبرغ"، السبت: "بصراحة أنا واثق تماما من القول إنه لو أعلن المرشد الإيراني غدا رغبته في لقاء ترامب، فإنه سيوافق على لقائه".
وهذا الإستعلاء والعجرفة والتكبر يذكرنا بقصة الإمام علي بن الحسين "زين العابدين" (ع) حين أفسح له الناس الطريق إجلالاً في الحرم المكي، بينما عجز الحاكم الأموي هشام بن عبد الملك عن الوصول للحجر رغم حاشيته وسأل من هذا؟
والمفارقة: تماماً كما فشل هشام في النيل َمن مكانة الإمام زين العابدين عليه الزمنية، كذلك يفشل روبيو ومعلمه ترامب في إدراك أن مكانة المرشد عصية على "صفقاته"؛ فمنظومة القيم لدى الإيرانيين تضع المرشد في حصن لا تصله تهديدات "البلطجة" السياسية.
غلقاء ترامب بالمرشد ليس مجرد "موعد" بل هو أمنية دونها عقبات شرعية وأخلاقية، فكيف يلتقي "ولي أمر" مع من يراه الشرع "مغتصب أطفال" ، "طاغية العصر" و"زاهق الأنفس المحترمة"؟
2. الإرهاب النفطي واتفاق "تجفيف المنابع":
إن مقامرة ترامب ونتنياهو
كشفت التقارير الأخيرة (أكسيوس وCBS) عن اتفاق سري-علني بين ترامب ونتنياهو يهدف إلى شل شريان الحياة الإيراني من خلال:
1- خنق الصادرات للصين من خلال محاولة فرض عقوبات وتعرفات جمركية (تصل لـ 25%) على الصين لإجبارها على وقف شراء النفط الإيراني.
2- عقلية "الطاغية": يتصرف ترامب وكأنه "حاكم العالم" الذي يحدد للدول المستقلة مع من تتاجر، محولاً إسرائيل إلى "عصا غليظة" لتنفيذ هذا النظام العالمي الجديد.
تصريحات بيلوسي المستفزة: جاءت دعوة نانسي بيلوسي لشل الاقتصاد حتى يشعر المواطن الإيراني البسيط في الأرياف بـ "الألم"، لتكشف عن وجه قبيح للاستكبار؛ فالرد الإيراني كان حازماً: "إن تعمد إيلام المدنيين لأهداف سياسية هو قمة الإرهاب وعقلية شريرة بامتياز".
3. الحقوق المسلوبة: البرنامج النووي والصواريخ كدرع شرعي
بينما يتباكى العالم على الملف النووي، يتناسى الجميع أن ترامب هو من فجر الاتفاق بانسحابه الأحادي.
الحق القانوني: بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، يمتلك أي بلد الحق في تطوير ترسانته الدفاعية. إن إنتاج الصواريخ الباليستية هو "درع حماية" وليس أداة اعتداء.
ازدواجية المعايير: لا أحد يعترض على "الجسر الجوي والبحري" الذي يزود إسرائيل بعشرات الملايين الأطنان من القنابل الفتاكة التي دمرت غزة ولبنان (أكثر من 1000 طائرة عملاقة و160 سفينة)، بينما يُحرم على إيران تطوير وسيلة دفاعية!
التدخل السافر: دعم ترامب الصريح لضربات إسرائيلية على منشآت إيران الباليستية هو عدوان صارخ يهدد الأمن والسلم العالمي ويضرب عرض الحائط بكل القوانين الدولية.
4. الشيطنة كتمهيد للعدوان: هل فشلت المفاوضات فعلاً؟
يسعى الثنائي الصهيوني-الأمريكي إلى "شيطنة" الموقف الإيراني لإيجاد مبرر لعمل عسكري وشيك.
التناقض الصارخ: كيف يمكن لواشنطن أن تدعي "التفاوض" في وقت تمارس فيه أقصى درجات الضغط الوقح وتدعم عمليات الاغتيال واختراق الداخل الإيراني عبر المسيرات والمخربين؟
الخلاصة: إن رهان ترامب على إسقاط النظام من الداخل عبر تجويع الشعب أو من الخارج عبر التهديد العسكري هو رهان خاسر. فأي مغامرة عسكرية ضد طهران لن تكون نزهة؛ فترامب يستطيع أن يبدأ بالعدوان، ولكنه آن يستطيع التحكم في مسار الرد الذي سيشعل حريقاً إقليمياً، ويقينًا لن تنجو منه الأساطيل الأمريكية في .
النتيجة:
أصبح ترامب ونتنياهو يشكلان "خطراً وجودياً" على الاستقرار العالمي. إن محاولاتهما لفرض "السلام عبر الألم والضغط" ليست إلا وصفة لحرب شاملة، ويجب على المجتمع الدولي لجم هذه العربدة وعزلهما ـومحاكمتهما قبل فوات الأوان.
وإنَّ غدًا لناظره قريب
16شباط/فبراير 2026