” من وهج الموقف إلى موج التوقير؛ إيران في امتحان التاريخ وبرهان الميدان، حيث يرتفع مؤشر الإحترام في الميزان، ويتضاعف التقدير ويتعاظم في ضمائر المسلمين والأحرار حول العالم".
في الأزمنة المضطربة، حين تتكاثر الروايات وتتنازع السرديات يصبح الحكم على الأحداث رهينا بميزان التحليل لا بظلال الإنفعال. ومن هذا المنظار التحليلي يتبدى أن المشهد المتعلق بالجمهورية الإسلامية الإيرانية لم يعد مجرد نزاع سياسي عابر، بل تحول إلى اختبار جيوبولتيكي وأخلاقي يكشف طبيعة الاصطفافات في عالم تتشابك فيه المصالح وتتقاطع فيه الاستراتيجيات.
لقد وجدت عاصمة الصمود طهران نفسها في قلب العاصفة من الضغوط المتعددة؛ ضغوط سياسية واقتصادية وأمنية تتكاثف كالسحب الداكنة، غير أن المراقب الموضوعي يلحظ أن منطق الردع والدفاع عن السيادة يشكل محور سلوكها المعلن. وفي علم السياسة الاستراتيجية، فإن الدول التي تمتلك عمقا حضاريا ومساحة قارية وكتلة سكانية واعية لايمكن التعامل معها بمنطق الاستخفاف أو الاستهانة؛ لأن الجغرافيا حين تتعانق مع الإرادة تصنع معادلة يصعب كسرها، وحين تتساند الخبرة العلمية مع الإرادة الوطنية يتشكل توازن يفرض احترامه حتى على الخصوم.
ومن هنا يتضح أن إيران لا تتحرك من فراغ، بل في إطار براديغم دفاعي يقوم على حماية السيادة ومنع الإخضاع الجيوسياسي الدولي منذ زمن بعيد.
وحق الدول في رد العدوان و صون حدودها، وهو حق تؤكده القاعدة القرآنية الجامعة:
{ ولا تعتدوا إن الله لايحب المعتدين}.
فالاعتداء مرفوض، لكن دفعه مشروع؛ وبين الإعتداء والدفاع حق يفصله ميزان العدالة.
إن قراءة المشهد من زاوية سوسيولوجية تكشف أيضا عن ظاهرة لافتة؛ إذ ارتفع مؤشر التعاطف والتضامن مع المواقف الإيرانية البطولية في أواسط واسعة من المسلمين وكثير من الأشراف والأحرار حول العالم. وليس هذا الارتفاع محض عاطفة عابرة، بل نتيجة تراكم رمزي صنعته مواقف سياسية ربطت خطابها بقضايا مركزية، وفي مقدمتها قضية القدس والمسجد الأقصى المبارك قرآنيا. ومن المعلوم في علم الاجتماع السياسي أن القضايا الرمزية الكبرى قادرة على توحيد الوجدان الجمعي حتى حين تختلف المذاهب والمدارس لأن رمزية المقدسات تتجاوز حدود الجغرافيا والطائفة لتلامس ضمير الأمة في عمقه الحضاري.
ولهذا لايبدو مستغربا أن تظهر شاشات الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي مشاهد متزايدة من التعاطف الشعبي في بلدان متعددة. فحين يشعر الناس أن الصراع يتجاوز حدود الجغرافيا ليطال مفهوم السيادة والاستقلال، تتحول القضية من شأن اقليمي إلى قضية كرامة إنسانية. ومن هنا أخذ ميزان الإحترام يرتفع في الوعي العام، وتنامى التقدير في الخطاب الشعبي التي ترى في هذا الصراع انعكاسا لمعركة أوسع تتعلق بمستقبل الاستقلال السياسي في المنطقة.
وفي المقابل، فإن القراءة الاستراتيجية المتأنية تشير إلى أن توسيع رقعة المواجهة أو الاستهانة بإمكانات دولة بحجم إيران قد يكون خطأ في الحسابات. فالتاريخ السياسي يعلمنا أن الدول ذات العمق الحضاري والعلمي قادرة على تحويل الضغوط إلى دوافع للتماسك الداخلي، وأن العلم حين يقترن بالإيمان بالوطن يصبح طاقة مقاومة لايستهان بها.
وقد أثبتت التجارب أن الشعوب التي تلتف حول قيادتها في أوقات الشدة تمتلك قدرة مضاعفة على امتصاص الصدمات وتحويلها إلى فرص لإعادة بناء القوة.
ومن زاوية أخرى، يبرز عامل الاستقرار الإقليمي بوصفه مسألة حساسة؛ إذ أن وجود قواعد عسكرية أحنبية ومقرات تجسس خطيرة في بعض دول حدودية يظل عنصر توتر دائم، لأن الجغرافيا لا تقبل الفراغ، والسيادة لا تستقيم مع تعدد مراكز القوى الغريبة فوق الأرض الواحدة. وليس من الحكمة الاستراتيجية أن تتحول أراضي الجوار إلى منصات صراع أو ساحات تصفية حسابات، لأن الأمن الإقليمي منظومة مترابطة، وأي خلل في أحد أركانها سرعان ما ينعكس على بقية الاركان.
ولقد قال الحكماء قديما: من زرع الريح حصد العاصفة؛ وهي حكمة سياسية تختصر درس التاريخ. فالاستقرار لا يبنى بالضغوط الدائمة ولا بسياسات الاستفزاز، بل بتوازن المصالح واحترام السيادات. ومن هذا المنطلق يصبح الحوار العقلاني خيارا إستراتيجيا لا ترفا دبلوماسيا.
ومع ذلك، فإن الحكمة السياسية تقتضي أن يظل باب الحوار مفتوحا؛ فالحوار ليس ضعفا بل قوة، وليس تنازلا بل أداة عقلانية لتفكيك الأزمات. ولعل الدعوة إلى وحدة الصف الإسلامي وتخفيف حدة الاستقطاب المذهبي تمثل أحد المسارات التي يمكن أن تحول التوتر إلى فرصة للتقارب، فالأمة التي تتنازعها الانقسامات يسهل استهدافها، أما التي تتماسك حول المشتركات الكبرى فإنها تصبح أكثر قدرة على حماية مصالحها والدفاع عن مقدساتها.
إن قراءة المشهد بعين هادئة توحي بأن العالم يقف عند مفترق طرق؛ فإما أن يسود منطق التوازن والحوار، وإما أن يستمر التصعيد الذي لا يربح فيه أحد. وفي كل الأحوال، فإن التجربة التاريخية تؤكد أن الشعوب التي تتشبث بكرامتها وتلتف حول سيادتها قادرة على الصمود مهما اشتدت الرياح، وهذا مايراه العالم اليوم بإيران وعظمة صمودها والتفاف شعبها وجماهيرها حتى من بعض المعارضين الشرفاء. وهنا يصدق القول القرأني: { وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا}.
وهكذا يعلمنا التاريخ، في صفحاته الصلبة لا في عناوينه العابرة، أن الأمم التي تصون سيادتها وتلوذ بوعيها الجمعي لا تكسرها العواصف؛ فرب موقف صادق يصنع من ضغط المحن منارة، ويحول ضجيج الخصوم إلى شهادة غير مقصودة على صلابة الطريق.
كاتب دمشقي حر.