خطاب الشيخ قاسم ؟ تثبيت معادلة القوة أم التلويح بفرض واقع داخلي جديد؟
مقالات
خطاب الشيخ قاسم ؟ تثبيت معادلة القوة أم التلويح بفرض واقع داخلي جديد؟
عباس المعلم
25 أيار 2026 , 19:27 م

في واحدة من أكثر الإطلالات السياسية وضوحًا وحدّة منذ تصاعد المواجهة الأخيرة، بدا خطاب الأمين العام لـ حزب الله الشيخ نعيم قاسم بمناسبة عيد المقاومة والتحرير، أقرب إلى إعلان سياسي ـ ميداني متكامل، يتجاوز حدود المناسبة الرمزية نحو رسم خطوط المرحلة المقبلة داخليًا وإقليميًا.

فالخطاب لم يكن مجرد استعادة لذاكرة التحرير عام 2000 أو إعادة تثبيت لسردية المقاومة التاريخية، بل حمل رسائل مباشرة إلى الداخل اللبناني والخارج، مفادها أن المقاومة لا ترى نفسها في موقع التراجع أو الانكفاء، بل في موقع القادر على الصمود وفرض التوازنات ومنع الانقلاب عليها، مهما تصاعدت الضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية.

منذ اللحظة الأولى، تعمّد الشيخ قاسم إعادة ربط شرعية المقاومة بسلسلة ممتدة من الرموز والمحطات المؤسسة: من الإمام موسى الصدر إلى الإمام روح الله الخميني، مرورًا بالسيد حسن نصر الله والقيادات التاريخية والعسكرية للحزب. وهذه العودة إلى الجذور لم تكن تفصيلًا خطابيًا، بل محاولة واضحة لتأكيد أن المقاومة تعتبر نفسها امتدادًا لمشروع طويل الأمد، لا مجرد تنظيم مرتبط بظرف سياسي أو معادلة آنية قابلة للكسر.

لكن جوهر الخطاب تمركز فعليًا حول نقطة أكثر حساسية: السلاح والتوازن الداخلي اللبناني.

هنا، رفع قاسم السقف إلى حدوده القصوى تقريبًا، حين اعتبر أن أي محاولة لنزع سلاح المقاومة ليست مجرد خلاف سياسي داخلي أو نقاش حول “الاستراتيجية الدفاعية”، بل مشروع تمهيدي لـ”إبادة” المقاومة وفتح الطريق أمام الاحتلال الإسرائيلي لاستباحة لبنان. بهذا المعنى، فإن الخطاب نقل المسألة من إطارها السياسي إلى مستوى “التهديد الوجودي”، وهو توصيف يحمل بطبيعته استعدادًا مفتوحًا للمواجهة وعدم التسليم بأي مسار يؤدي إلى تجريد الحزب من عناصر قوته.

الأخطر في الخطاب لم يكن فقط رفض نزع السلاح، بل الربط بين استمرار الضغوط الداخلية والخارجية وبين احتمال الانتقال إلى خيارات أكثر حدة داخل لبنان.

فعندما يقول قاسم إن “من حق الناس أن تنزل إلى الشوارع وتسقط الحكومة وتسقط المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي”، فهو لا يطلق مجرد موقف شعبوي أو تحريضي عابر، بل يوجّه رسالة واضحة بأن الحزب لا يرى نفسه ملزمًا بالبقاء داخل حدود الدفاع السياسي التقليدي إذا ما استمر مسار الحصار والتجريم والتضييق عليه.

هذا التلميح يحمل دلالات عميقة، لأنه يعكس اقتناعًا داخل قيادة الحزب بأن ما يجري لم يعد مجرد خلاف لبناني داخلي حول السلاح أو دور المقاومة، بل محاولة لإعادة صياغة لبنان سياسيًا وأمنيًا بما يتناسب مع الشروط الأميركية والإسرائيلية بعد الحرب. ولذلك، جاء الخطاب كإعلان صريح بأن الحزب مستعد للذهاب بعيدًا في منع هذا التحول، حتى لو تطلب الأمر إعادة خلط الأوراق الداخلية وفرض وقائع جديدة.

وفي موازاة هذا التصعيد الداخلي، أظهر قاسم ثقة مرتفعة جدًا بقدرات المقاومة العسكرية والميدانية، وهو أمر ظهر بوضوح في حديثه عن خسائر إسرائيل في جنوب لبنان، وعن دور المسيّرات في كشف تلك الخسائر وفرض الاعتراف بها.

فالخطاب تعمّد التأكيد أن المقاومة لا تزال تمتلك زمام المبادرة العملانية والاستخبارية، وأن الحرب لم تؤدِّ إلى كسر بنيتها أو إسقاط قدرتها على الفعل، بل على العكس، ما زالت قادرة على الاستنزاف والتصعيد وإدارة المعركة النفسية والإعلامية ضد إسرائيل.

كما أن حديثه عن “التحرير الثالث” لم يكن مجرد تعبير تعبوي، بل إشارة إلى أن الحزب ينظر إلى المواجهة الحالية باعتبارها جزءًا من مسار مفتوح، لا محطة دفاعية مؤقتة. وهو بذلك يحاول تثبيت معادلة تقول إن الحرب القائمة، رغم حجم الخسائر والدمار، لن تنتهي بإخضاع المقاومة أو فرض الاستسلام السياسي عليها.

في المقابل، حمل الخطاب هجومًا غير مسبوق نسبيًا على الدولة اللبنانية والسلطة السياسية، إذ اتهمها بالعجز والخضوع للوصاية الأميركية، ووضعها أمام معادلة قاسية: إما حماية السيادة فعليًا، أو التوقف عن لعب دور الضغط على المقاومة خدمة للمشروع الإسرائيلي.

وهنا تحديدًا، تبدو الرسالة الأخطر: الحزب لم يعد يكتفي بانتقاد الأداء الرسمي، بل بدأ يتعامل مع جزء من السلطة باعتباره عنصرًا ضمن مشروع استهدافه ومحاصرته، لا مجرد شريك مختلف معه في مقاربة الملفات الداخلية.

وفي البعد الإقليمي، بدا واضحًا أن قاسم أراد تثبيت صورة محور متماسك رغم الحرب والضغوط. فحديثه عن إيران باعتبارها قوة “أذلت أميركا وإسرائيل” ويحجّ إليها “كل الأحرار”، يعكس محاولة واضحة لرفع المعنويات داخل بيئة المقاومة وتأكيد أن المشروع الذي ينتمي إليه الحزب لم يدخل مرحلة الانكسار، بل ما زال يمتلك القدرة على المواجهة والتأثير.

عمليًا، يمكن قراءة خطاب قاسم على أنه محاولة لرسم سقف سياسي جديد للمرحلة المقبلة:

لا تفاوض مباشر مع إسرائيل، لا قبول بنزع السلاح تحت الضغط، لا تسليم بإعادة تشكيل لبنان وفق الشروط الأميركية، ولا استعداد للتراجع أمام العقوبات أو الحصار أو الاستنزاف. وفي المقابل، هناك استعداد واضح للذهاب نحو تصعيد سياسي وشعبي وربما أبعد من ذلك إذا ما استمر استهداف المقاومة داخليًا وخارجيًا.

ولهذا، فإن أهمية الخطاب لا تكمن فقط في مضمونه التعبوي أو العقائدي، بل في كونه كشف بوضوح أن الحزب يعتبر نفسه اليوم في معركة وجود وتوازنات، لا مجرد أزمة سياسية عابرة. ومن هنا تحديدًا، جاءت نبرة الثقة العالية، المقترنة في الوقت نفسه بلهجة تحذير شديدة الوضوح:

المقاومة، وفق ما أراد قاسم إظهاره، لا ترى نفسها محاصرة أو في موقع الدفاع الأخير، بل في موقع القادر على قلب الطاولة إذا فُرضت عليه معادلات يعتبرها تهديدًا مباشرًا لوجوده ودوره ومستقبل بيئته السياسية والشعبية.

عباس المعلم - كاتب سياسي