أمريكا وإيران بين الردع والانفجار !!
مقالات
أمريكا وإيران بين الردع والانفجار !!
د. محمد سيد أحمد
25 شباط 2026 , 05:33 ص

تشكل التحركات الأخيرة للأسطول البحري الأمريكي في الخليج العربي وبحر العرب مؤشرًا بالغ الحساسية على مستوى التوتر القائم في الإقليم، إذ إن وجود حاملات الطائرات والمدمرات المزودة بأحدث منظومات الدفاع والصواريخ لا يقرأ بوصفه انتشارًا روتينيًا فحسب، بل باعتباره رسالة ردع استراتيجية موجهة إلى إيران وحلفائها. فالتحشيد البحري الأمريكي عبر العقود الماضية كان غالبًا يسبق إحدى ثلاث حالات: ضغطًا تفاوضيًا مكثفًا، أو توجيه ضربات محدودة لإعادة رسم قواعد الاشتباك، أو تمهيدًا لتحول أكبر في معادلات القوة. ومع ذلك فإن الانتقال من استعراض القوة إلى حرب شاملة يظل قرارًا بالغ الكلفة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، ليس فقط على المنطقة، بل على الولايات المتحدة ذاتها.

في هذا السياق، تكتسب زيارات رئيس وزراء العدو الصهيوني إلى واشنطن أهمية خاصة، إذ يرى الكيان الصهيوني في البرنامج النووي الإيراني وفي تنامي النفوذ الإقليمي لطهران تهديدًا استراتيجيًا طويل الأمد. وتسعى القيادة الصهيونية، عبر التنسيق السياسي والأمني مع الولايات المتحدة، إلى ضمان بقاء الخيار العسكري مطروحًا على الطاولة، أو على الأقل استخدامه كوسيلة ضغط قصوى. غير أن الحسابات الأمريكية تبدو أكثر تعقيدًا، فأمن الكيان الصهيوني يمثل عنصرًا مهمًا في صنع القرار الأمريكي، لكنه ليس العنصر الوحيد. فهناك أيضًا أمن القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج والعراق وسوريا، واستقرار أسواق الطاقة العالمية، ومخاطر الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة قد تتجاوز حدود السيطرة التقليدية.

من الناحية القانونية والدستورية، لا يتمتع الرئيس الأمريكي بسلطة خوض حرب طويلة الأمد دون غطاء من الكونجرس. فوفق قانون صلاحيات الحرب لعام 1973، يستطيع الرئيس استخدام القوة العسكرية لفترة محدودة، لكن استمرار العمليات يتطلب تفويضًا تشريعيًا. هذا القيد يعكس حساسية الداخل الأمريكي تجاه الحروب المفتوحة بعد تجربتي العراق وأفغانستان، حيث أظهرت استطلاعات الرأي عبر السنوات تراجع الحماسة الشعبية لأي تدخل عسكري واسع النطاق في الشرق الأوسط. وبالتالي فإن أي قرار بمهاجمة إيران لن يكون قرارًا عسكريًا صرفًا، بل سياسيًا داخليًا بامتياز.

أما التردد الأمريكي في توجيه ضربة عسكرية شاملة لإيران، فيرتبط بحسابات الردع المتبادل. فقد طورت إيران خلال العقود الماضية منظومة صاروخية باليستية وطائرات مسيرة قادرة، بحسب تقديرات عسكرية متعددة، على استهداف القواعد الأمريكية في الخليج والعراق وسوريا، إضافة إلى منشآت حيوية في المنطقة. كما أن أي ضربة أمريكية قد تدفع طهران إلى الرد المباشر أو غير المباشر عبر حلفائها الإقليميين، ما قد يحول المواجهة إلى حرب متعددة الجبهات. ومن هنا فإن كلفة الضربة الأولى لا تقاس بقدرتها على التدمير، بل بتداعياتها اللاحقة التي قد تشمل تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الطاقة، وتهديد استقرار دول حليفة لواشنطن.

في المقابل لا تغيب قنوات التفاوض عن المشهد، فقد لعبت سلطنة عمان في مراحل سابقة دور الوسيط بين واشنطن وطهران، وغالبًا ما جرت الاتصالات غير المباشرة في ظل تصعيد إعلامي أو عسكري، فيما يمكن وصفه بسياسة "التفاوض تحت الضغط". تسعى الولايات المتحدة، وفق ما يرشح من مواقف رسمية وتحليلات، إلى توسيع نطاق التفاوض ليشمل البرنامج الصاروخي الإيراني ودور طهران الإقليمي، بينما تؤكد إيران أن أي تفاوض يجب أن يقتصر على ملفها النووي ورفع العقوبات. هذا التباين في جدول الأعمال يعكس جوهر الصراع: هل هو نزاع تقني حول تخصيب اليورانيوم، أم صراع استراتيجي على موازين القوة والنفوذ في الشرق الأوسط؟

تدرك واشنطن أن تقليص النفوذ الإيراني الإقليمي يتجاوز مجرد اتفاق نووي، كما تدرك طهران أن برنامجها الصاروخي وتحالفاتها الإقليمية يمثلان، من وجهة نظرها، جزءًا من منظومة ردع غير تقليدية تعوض بها تفوقًا عسكريًا تقليديًا لخصومها. وبين هذين الإدراكين المتعارضين تتشكل معادلة دقيقة: لا أحد يريد حربًا شاملة، لكن الجميع يسعى لتحسين شروط التفاوض عبر استعراض القوة.

في المحصلة يبدو أن المنطقة تعيش مرحلة "حافة الهاوية" أكثر مما تعيش لحظة اندفاع نحو حرب كبرى. فالتحشيد العسكري قد يكون أداة ضغط لا مقدمة لغزو، والتهديد بالحرب قد يكون وسيلة لانتزاع تنازلات لا قرارًا بحسم عسكري. غير أن خطورة هذه المرحلة تكمن في هشاشة التوازن، فأي خطأ في الحسابات، أو ضربة محدودة تخرج عن السيطرة، قد يشعلان مواجهة أوسع مما ترغب به الأطراف كافة.

وبين البوارج التي تجوب المياه الإقليمية وقنوات الاتصال السرية التي لا تتوقف، وفي ظل تشابك المصالح الدولية والإقليمية، يبقى الاحتمال الأكبر هو استمرار حالة اللاسلم واللاحرب، ويبقى الشرق الأوسط معلقًا بين الردع والانفجار، وبين منطق القوة ومنطق التفاوض، اللهم بلغت اللهم فاشهد.

بقلم/ د. محمد سيد أحمد

مواضيع ذات صلة
أزمة الطيار الأميركي في أصفهان: بين رواية الإنقاذ وخفايا المواجهة !
مهدي مبارك عبد الله - 6 نيسان 2026
أزمة الطيار الأميركي في أصفهان: بين رواية الإنقاذ وخفايا المواجهة !
الخليج بين وثائق الاستخبارات وحروب الواقع
ا. خالد الحديدي / مصر - 6 نيسان 2026
الخليج بين وثائق الاستخبارات وحروب الواقع
الهزيمة المرة التي ترهق من يقف خلف ترامب ولا يعرف كيف يحضره كي يعلنها للعالم.
أم ان ارسال البنتاغون 5000 جندي من مشاة البحرية الأمريكية في مهمة بلا رجعة إلى جزيرة “ خرج” قد تقلب المعادلة .؟
 الحرب على إيران وصلت الى مرحلة حرجة للغاية مع دخول الحوثيون في اليمن على الجبهة بهجمات صاروخية على إسرائيل مع إيران التي تقوم بهجوم واسع النطاق على البنية التحتية الأمريكية في دول شرق الأوسط نشرت الولايات المتحدة الفرقة 82 المحمولة جواً وقوات المارينز في الشرق الأوسط والهدف ليس خوض حرب طويلة الأمد ، بل السيطرة على جزيرة خرج ، التي تملك تحتوي على 90-95% من إجمالي صادرات النفط الإيرانية المنقولة بحراً. تسعى الولايات المتحدة إلى عماية
علي وطفي - 6 نيسان 2026
الهزيمة المرة التي ترهق من يقف خلف ترامب ولا يعرف كيف يحضره كي يعلنها للعالم. أم ان ارسال البنتاغون 5000 جندي من مشاة البحرية الأمريكية في مهمة بلا رجعة إلى جزيرة “ خرج” قد تقلب المعادلة .؟ الحرب على إيران وصلت الى مرحلة حرجة للغاية مع دخول الحوثيون في اليمن على الجبهة بهجمات صاروخية على إسرائيل مع إيران التي تقوم بهجوم واسع النطاق على البنية التحتية الأمريكية في دول شرق الأوسط نشرت الولايات المتحدة الفرقة 82 المحمولة جواً وقوات المارينز في الشرق الأوسط والهدف ليس خوض حرب طويلة الأمد ، بل السيطرة على جزيرة خرج ، التي تملك تحتوي على 90-95% من إجمالي صادرات النفط الإيرانية المنقولة بحراً. تسعى الولايات المتحدة إلى عماية "الخنق الاقتصادي" لإجبار طهران على تقديم تنازلات , بالمقابل إيران حشدت جيشا قوامه مليون جندي و حوالي خمسة ملايين وضعوا انفسهم تحت تصرف القوات المسلحة دفاعا عن بلدهم ( ياريت تتعلم ، عبث) كما نقلت طائرات مسيرة إلى ميليشيات حليفة عراقية، استخدمتها لتدمير منظومات الدفاع الجوي على سطح السفارة الأمريكية في بغداد، بالإضافة إلى مروحية بلاك هوك ، الولايات المتحدة إسقاط عامل هام: اصبحت إيران تمتلك تقنية الطائرات المسيرة بالألياف الضوئية من روسيا ، وهي تقنية لم يسبق للجيش الأمريكي مواجهتها ويصعب إسقاط هذه الطائرات نظرا لصغر حجمها ومناعتها الكاملة ضد التشويش الإلكتروني وقد استخدمتها القوات الروسية مرارا وتكرارا لتدمير دبابات M1A1 أبرامز الأمريكية ومركبات قتال المشاة M - 2 برادلي التي نُقلت القوات المسلحة الأوكرانية على أرض المعركة الأوكرانية ، و العملية البرية بمثابة صراع حياة أو موت للقوات الأمريكية إنزال 5000 جندي مشاة سيكون رعايتهم الموت كما تعد جزيرة خرج/خارك، وتحصيناتها ومنشآتها النفطية، حصنًا صخريًا منيعًا ولا يفصلها عن البر الإيراني سوى 25 كيلومترًا، ما يوفر لها دعما ناريا على مدار الساعة وسوف تتعرض القوات الأمريكية التي ستنزل في الجزيرة لوابل كثيف من المدفعية والصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية باستخدام تقنية الألياف الضوئية الروسية، واستطاعت تدمير دبابات ومركبات مدرعة أمريكية رئيسية، فسيصبح جنود المشاة البالغ عددهم 5000 جندي محاصرين تماما على سطح الجزيرة المكشوفة ، دون أي غطاء، ليصبحوا أهدافًا سهلة وستتحول الجزيرة إلى فخ مميت لهم ، كون الخبراء الإيرانيون وظيفتهم التحكم عن بعد في هذه طائرات المزودةب الألياف الضوئية من ملاجئ تحت الأرض دون بث إشارات لاسلكية، مما يجعلها غير قابلة للكشف. يزعم ترامب أنه سينهي الحرب مع إيران في غضون اسبوعين أو ثلاثة ولا يكترث إن فتح مضيق هرمز بعد ذلك ، أو إن أبرمت إيران اتفاقاً هذا مثال كلاسيكي على التهرب من الهزيمة الساحقة و بغض النظر عن التصريحات المتناقضة ، فإن إيران إضافة إلى المكاسب المعنوية للنصرٍ ستصبح القوة المهيمنة في الخليج العربي، محتفظة بالسيطرة على مضيق هرمز واليوم نحو 400 سفينة من مختلف الأنواع اضطرت إلى تعليق عبورها مضيق هرمز، بانتظار قرار من السلطات الإيرانية بشأن السماح لها بالمرور عبر هذا الممر المائي ذي الأهمية الاستراتيجية و بعض السفن عند مدخل المضيق، وكذلك بالقرب من جزر إيرانية ولا تحاول العبور بسبب تحذيرات طهران ، يعد مضيق هرمز ممرا مائيا ضيقا يربط بين الخليج العربي وخليج عمان، ويكتسب أهمية استراتيجية بالغة، إذ يمر عبره ما يقارب 20% من إمدادات النفط العالمية، ونحو 25% من صادرات الغاز الطبيعي المسال العالمية. علاوةً على ذلك، سيتم سحب القواعد العسكرية الأمريكية في البحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة بشكل شبه مؤكد ، كما ستحسن طهران وضعها المالي بشكل كبير، و تعوض خسائرها العسكرية بسرعة وتعزز إيران جيشها بشكل ملحوظ، واعادة تجهيزه بأحدث الأسلحة، مسرعة في تطوير برنامجها الصاروخي المتطور أصلا، و قد تعلن بشكل قاطع أنها أصبحت قوة نووية. اما موقف طهران من تل أبيب و موقفها لن يزول و استمرار الصراع الوجودي مع إسرائيل بعد كل ما سببته إسرائيل لإيران من معاناة في عدوانها ، وايضا لا أمل في تخفيف حدة الخطاب تجاه الكيان اليهودي. للعلم منذ شهر كان في طهران قادة مستعدون للتسوية والتفاوض باستمرار أما الآن ، اصبحت دولة إقليمية عظمى ومتماسكة من الداخل مدركة لتفوقها في الحرب الدائرة ضد أقوى جيش في العالم وفي الشرق الاوسط ، اما العرب والخليج اليوم عليهم بدفع تكاليف الربح والخسارة (ملطشة) وكالعادة دائما يتواكلون ولا يتوكلون يضعون رهانهم على الحصان( مجازا) الخاسر كالعادة و يصرفون الملايين على شراء الاحصنة وبناء الاسطبلات لها. الخلاصة على ترامب الآن إما شن عملية برية أو الانسحاب سريعا وبشكل مخز، تاركا شريكه العزيز المدلل في ائتلاف إبستين “ نتنياهو” يغرق في مواجهة الأسد الصاعد الجديد في الشرق الأوسط.