المَيْدَانُ يُقَاوِمُ... وَلُبْنَانُ تَحْتَ إِدَارَةِ عَبِيدِ تُرَامْب.
مقالات
المَيْدَانُ يُقَاوِمُ... وَلُبْنَانُ تَحْتَ إِدَارَةِ عَبِيدِ تُرَامْب.
موسى عباس
24 أيار 2026 , 19:46 م

كتب: موسى عبّاس

فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي يُسَطِّرُ فِيهَا المَيْدَانُ مُعَادَلَاتِ وُجُودٍ تَفْرِضُ نَفْسَهَا بِقُوَّةِ الدَّمِ وَالحَدِيدِ، يَطُلُّ عَلَيْنَا المَشْهَدُ السِّيَاسِيُّ الرَّسْمِيُّ فِي لُبْنَانَ لِيُقَدِّمَ فَصْلاً جَدِيداً مِنْ فُصُولِ العَبَثِ.

لَمْ يَعُدِ النِّقَاشُ اليَوْمَ يَدُورُ حَوْلَ جَدْوَى التَّفَاوُضِ، بَلْ حَوْلَ حَقِيقَةِ الجُثَّةِ الهَامِدَةِ الَّتِي تُمَثِّلُهَا سُلْطَةٌ قَرَّرَتْ خَلْعَ دِرْعِهَا قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَ حَلَبَةَ الصِّرَاعِ، ظَنّاً مِنْهَا أَنَّ الِانْحِنَاءَ أَمَامَ العَاصِفَةِ سَيَحْمِيهَا، مُتَنَاسِيَةً أَنَّ العَاصِفَةَ لَا تَرْحَمُ المُتَرَدِّدِينَ وَلَا تَحْتَرِمُ المُسْتَسْلِمِينَ.

—المَيْدَانُ يَفْرِضُ، وَالسُّلْطَةُ تَتَبَرَّأُ:

إِنَّ المُفَارَقَةَ الأَكْثَرَ إِيلَاماً فِي وَاقِعِنَا الحَالِيِّ هِيَ تِلْكَ الهُوَّةُ السَّحِيقَةُ بَيْنَ مَنْطِقِ المَيْدَانِ وَمَنْطِقِ "أَرْوِقَةِ السُّلْطَةِ". فَفِي الوَقْتِ الَّذِي يُثْبِتُ فِيهِ المُقَاوِمُونَ، بِصَلَابَةٍ مُنْقَطِعَةِ النَّظِيرِ فِي الجَنُوبِ، أَنَّهُمُ الطَّرَفُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ تَجَاوُزُهُ، نَرَى الفَرِيقَ الرَّسْمِيَّ يُمَارِسُ طُقُوساً مِنَ التَّبَرُّؤِ الذَّاتِيِّ. لَقَدِ اخْتَارَتْ هَذِهِ السُّلْطَةُ أَنْ تُحَيِّدَ أَوْرَاقَ القُوَّةِ بِيَدِهَا، لَا بَلْ إِنَّهَا تُهَرْوِلُ لِتَسْلِيمِهَا لِلخَصْمِ قَبْلَ أَنْ يُطْلَبَ مِنْهَا ذَلِكَ. إِنَّ حَصْرَ السِّلَاحِ، وَشَيْطَنَةَ المُقَاوَمَةِ، وَالِانْشِغَالَ بِـ "تَتَارِ" المُحَاصَصَةِ وَالتَّعْيِينَاتِ بَيْنَمَا تُسْتَبَاحُ الحُدُودُ وَتُرْتَكَبُ المَجَازِرُ، لَيْسَ مُجَرَّدَ فَشَلٍ سِيَاسِيٍّ؛ إِنَّهُ "تَوَاطُؤٌ مَوْصُوفٌ" يَرْقَى إِلَى مُسْتَوَى الخِيَانَةِ الوَطَنِيَّةِ.

— أُسْطُورَةُ "التَّسْوِيَةِ" فِي مُوَاجَهَةِ حَقِيقَةِ العَدُوِّ؛

يَسْتَمِرُّ "فَرِيقُ الِاسْتِسْلَامِ" فِي غَيِّهِ، مُرَوِّجاً لِأَوْهَامِ الِاسْتِقْرَارِ مِنْ بَوَّابَةِ الِانْصِيَاعِ لِلْإِرَادَةِ الدَّوْلِيَّةِ وَالوَسَاطَاتِ المَشْبُوهَةِ. هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يَقْرَأُونَ التَّارِيخَ، أَوْ يُغْمِضُونَ أَعْيُنَهُمْ قَسْراً عَنْ دُرُوسِ الشُّعُوبِ الَّتِي سُحِقَتْ تَحْتَ أَقْدَامِ الِاحْتِلَالِ حِينَ اخْتَارَتِ المُسَاوَمَةَ، لَا يُقَدِّمُونَ لِلُبْنَانَ سِوَى مَزِيدٍ مِنَ الذُّلِّ. إِنَّهُمْ يُرَاهِنُونَ عَلَى "صَدِيقٍ" أَوْ "وَسِيطٍ" لَا يَرَى فِيهِمْ إِلَّا أَدَوَاتٍ وَظِيفِيَّةً فِي مَشْرُوعِهِ الإِقْلِيمِيِّ. فَهَلْ يُعْقَلُ أَنْ تُبْنَى سِيَادَةُ دَوْلَةٍ عَلَى انْتِظَارِ مُكَالَمَةٍ هَاتِفِيَّةٍ قَدْ لَا تَأْتِي، أَوْ عَلَى رَهْنِ قَرَارِهَا الوَطَنِيِّ بِيَدِ مَنْ يَأْتَمِرُ بِأَمْرِ العَدُوِّ؟

— لَا مُفَاوَضَاتِ مَعَ فَاقِدِي السِّيَادَةِ:

إِنَّ أَيَّ تَفَاوُضٍ يُجْرَى مِنْ مَوْقِعِ ضَعْفٍ مُسْبَقٍ، وَمِنْ سُلْطَةٍ مُفَكَّكَةٍ دَاخِلِيّاً، لَيْسَ إِلَّا تَوْقِيعاً عَلَى صَكِّ اسْتِسْلَامٍ. الدَّوْلَةُ الَّتِي لَا تَمْلِكُ صَوْتاً وَاحِداً، وَلَا رُؤْيَةً وَطَنِيَّةً جَامِعَةً، وَلَا قَرَاراً شُجَاعاً تَحْمِيهِ، لَنْ تَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ شَاهِدِ زُورٍ عَلَى تَصْفِيَةِ حُقُوقِهَا. لَقَدْ وَلَّى زَمَنُ الِاسْتِجْدَاءِ؛ فَالمَيْدَانُ اليَوْمَ هُوَ الَّذِي يَكْتُبُ التَّارِيخَ، وَالِاحْتِلَالُ الصُّهْيُونِيُّ، الَّذِي كُسِرَ فِي عَامِ 2000 وَفِي عَامِ 2006، لَا يَفْهَمُ لُغَةَ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ النَّاعِمَةِ، بَلْ يَفْهَمُ لُغَةَ القُوَّةِ الَّتِي لَا تُسَاوِمُ.

—رِسَالَةٌ أَخِيرَةٌ: الأَرْضُ لَا تُحْفَظُ بِالمُنَاوَرَاتِ:

إِلَى مَنْ يَعْنِيهِمُ الأَمْرُ فِي مَفَاصِلِ الحُكْمِ:

إِنَّ مَسِيرَةَ "الِاسْتِقْرَارِ" الَّتِي تَنْشُدُونَهَا عَبْرَ التَّنَازُلَاتِ لَيْسَتْ إِلَّا طَرِيقاً مُعَبَّداً بِالمَهَانَةِ. إِنَّ الأَرْضَ الَّتِي تَظُنُّونَ أَنَّكُمْ تَحْفَظُونَهَا بِالصَّمْتِ سَتَضِيعُ تَحْتَ أَقْدَامِ الغُزَاةِ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَحْمِيَّةً بِإِرَادَةٍ حُرَّةٍ وَبُنْدُقِيَّةٍ مُؤْمِنَةٍ.

إِنَّ حَتْمِيَّةَ النَّصْرِ لَيْسَتْ نُبُوءَةً، بَلْ هِيَ نَتِيجَةٌ تَرَاكُمِيَّةٌ لِصَلَابَةِ المُقَاوَمَةِ. أَمَّا الِاسْتِسْلَامُ، فَهُوَ رِهَانٌ خَاسِرٌ فِي مَعْرَكَةٍ وُجُودِيَّةٍ لَا تَقْبَلُ القِسْمَةَ عَلَى اثْنَيْنِ. فَإِمَّا أَنْ تَسْتَعِيدُوا قَرَارَ الدَّوْلَةِ مِنْ مَخَالِبِ التَّبَعِيَّةِ، أَوْ تَتْرُكُوا التَّارِيخَ يُسَجِّلُ أَنَّكُمْ كُنْتُمُ العَائِقَ أَمَامَ كَرَامَةِ هَذَا الشَّعْبِ الَّذِي أَثْبَتَ، بِدِمَائِهِ، أَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ قِيَادَاتِهِ.

الحِكَايَةُ لَمْ تَنْتَهِ، وَالكَلِمَةُ الفَصْلُ سَتَظَلُّ دَائِماً لِأَصْحَابِ الحَقِّ، لَا لِأَصْحَابِ المَكَاتِبِ وَالمُكَالَمَاتِ المُنْتَظِرَةِ.

الأَرْضُ عَرُوسٌ، وَمَهْرُهَا دِمَاءُ الشُّرَفَاءِ. أَمَّا الِاسْتِسْلَامُ، فَهُوَ خِيَانَةٌ، وَثَمَنُهُ ذُلٌّ وَمَهَانَةٌ سَتُلَاحِقُكُمْ أَنْتُمْ وَمَنْ جَاءَ بِكُمْ إِلَى الحُكْمِ، جِيلاً بَعْدَ جِيلٍ.