✍️ عبدالله علي هاشم الذارحي
يبدأ العام الهجري الجديد 1448هـ يوم الثلاثاء القادم، الأول من شهر محرم الحرام الموافق 16 يونيو 2026م.
ومعلوم أن العربَ قبل الإسلام كانوا يؤرِّخون بالأحداث الكبرى، فكانوا يقولون: عام الفيل، وعام بناء الكعبة، وغيرها من الوقائع العظيمة.
وفي عام الفيل وُلد رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ذلك العام الذي خرج فيه أبرهة الحبشي بجيشه لقتل خاتم الأنبياء، وليس لهدم الكعبة المشرَّفة، فأهلكه اللهُ وجيشَه، وحفظ نبينا محمدًا وبيته الحرام، لتبدأ مرحلةٌ جديدة من تاريخ البشرية بميلاد خاتم الأنبياء والمرسلين.
وقد عاش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مكة ثلاثًا وخمسين سنة، منها أربعون سنة قبل البعثة النبوية، عُرف خلالها بالصادق الأمين، ونال احترام قومه وتقديرهم.
ثم أمضى ثلاثة عشر عامًا بعد البعثة يدعو إلى الله تعالى، متحمّلًا صنوف الأذى والتكذيب والحصار، حتى حُوصر مع المؤمنين في شِعب أبي طالب، وظل ثابتًا على دعوته حتى أذن الله له بالهجرة إلى يثرب، فدخلها يوم الجمعة، 12 ربيع الأول، سنة 1هـ، الموافق 27 سبتمبر سنة 622م، وعمره يومئذٍ 53 سنة، ومن ذلك اليوم سُمِّيت يثرب بمدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
وبهذا يكونُ رسولُ الله (ص) هو أول من أرَّخ بالتاريخ الهجري، وليس عمر بن الخطاب هو أول من أرَّخ به، فهذا محض افتراء وعداء للرسول (ص)، فعمر غيَّر أول السنة الهجرية من ربيع الأول إلى شهر محرم الحرام.
لقد كانت الهجرة النبوية المباركة نقطة تحول كبرى في تاريخ الإسلام، فبعد أن دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة المنورة، بدأ منها بناءُ الدولة الإسلامية ونشر رسالة الإسلام في الآفاق.
وكان للأنصار شرفُ النصرة والإيواء والتضحية، فاستحقوا أن يخلدَهم القرآنُ الكريم وأن يظل ذكرُهم حاضرًا في وجدان الأُمَّــة إلى قيام الساعة.
لذلك ارتبط التاريخُ الهجري بأعظم حدث في مسيرة الإسلام، وهو الهجرةُ النبوية، التي لم تكن انتقالًا جغرافيًّا فحسب، لكنها انتقالٌ من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء الأُمَّــة والدولة والحضارة الإسلامية.
يأتي شهر محرم، أحد الأشهر الحُرم، ليحملَ في طياته دروسًا عظيمة في التضحية والثبات والصبر.
ففيه استشهد الإمام الحسين بن علي وأهل بيته وأصحابه عليهم السلام في كربلاء، بعدما واجهوا الظلمَ والطغيان الأموي بموقف خالد أصبح مدرسة للأحرار في كُـلّ زمان ومكان.
واليوم، وفي ظل ما تشهده المنطقةُ من أحداث ومتغيرات متسارعة، تتجدَّدُ معاني الهجرة والجهاد والثبات في مواقف قادة وشعوب المقاومة الذين رفضوا الهيمنة والاستكبار، ويدافعون عن كرامتهم وحقوقهم المشروعة، ويناصرون الحق وأهله بكل مكان.
كما يواصل الشعب اليمني، رغم سنوات العدوان والحصار، صمودَه الأُسطوري وثباته في مواجهة التحديات، مؤكّـدًا أن إرادَةَ الشعوب المؤمنة لا يمكن أن تُكسر مهما بلغت المؤامرات والضغوط.
وقد برزت اليمن خلال المرحلة الراهنة بمواقفها المساندة لقضايا الأُمَّــة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، مجسِّدةً قيمَ النصرة والإخاء والوفاء التي جسدها الأنصار الأوائل مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فكما نصر أنصارُ المدينة الإسلام في بداياته الأولى، يواصل أنصارُ الله اليوم حمل راية العزة والكرامة والدفاع عن اليمن وقضايا الأُمَّــة ومقدساتها، وانتصروا للتقويم الهجري وجعلوه التقويم الأول ليؤرَّخَ به في كافة مؤسّسات الدولة.
وفي هذا السياق يقول سيد القول والفعل:
"ارتباط العام الهجري بالهجرة النبوية هو خيرُ حافز لأمتنا الإسلامية لاستقبال العام الجديد والانطلاقة فيه بروح وثابة وأمل عظيم ومعنويات عالية".
وعن الهجرة قال: "الهجرة النبوية حافز لأمتنا لتتحَرّك من موقع المسؤولية المقدسة في حمل راية الإسلام دين الله الحق".
وقال قائد الأنصار: "على المسلمين أن يستلهموا من حركة رسول الله ومن دروس الهجرة النبوية ما فيه الهداية الكافية، وما يحظون من خلاله بنصر الله ومعونته".
فالهجرة مدرسة متجددة، وكربلاء درس خالد، والأنصار نموذج باقٍ في كُـلّ عصر.
فما أحوجَ أمتنا اليوم إلى استلهام تلك القيم العظيمة، لتواصلَ مسيرتَها بثبات وثقة نحو مستقبل تصنعه الإرادَة والإيمان والتضحية.
ختامًا: بمناسبة حلول العام الهجري، أسأل اللهَ سبحانَه وتعالى أن يجعلَه عامَ خير وبركة ونصر وتمكين وأمن وسلام على الشعب اليمني، وعلى شعوب ودول محور المقاومة، وعلى الأُمَّــة الإسلامية جمعاء، والشعوب المستضعَفة في العالم، والعاقبة للمتقين.