أظهرت دراسة حديثة أن زيادة القدرة الأيضية للخلايا العصبية بشكل طفيف يمكن أن تعزز الذاكرة طويلة المدى لدى الحيوانات. وتشير النتائج إلى أن الطاقة ليست مجرد شرط أساسي لعمل الدماغ، بل قد تكون أداة فعالة لتحسين الأداء المعرفي.
قاد هذا البحث فريق دولي بقيادة العالم خايمي دي خوان سانز في Paris Brain Institute، ونُشرت نتائجه في مجلة Nature Metabolism.
الدماغ أكثر أعضاء الجسم استهلاكا للطاقة
يُعد الدماغ من أكثر الأعضاء استهلاكا للطاقة في الجسم. فعند التفكير أو التعلم أو تكوين الذكريات، تنشط الخلايا العصبية وتحتاج إلى الوقود في شكل جزيء «ATP»، الذي تنتجه الميتوكوندريا .
وعند تحفيز الخلايا العصبية، ترتفع مستويات الكالسيوم داخلها، وينتقل جزء منه إلى الميتوكوندريا، حيث يسرّع دورة كريبس، وهي سلسلة تفاعلات كيميائية تزيد إنتاج الطاقة.
وأوضح الباحثون أن حركة الكالسيوم داخل الميتوكوندريا تسمح بتنظيم إنتاج الطاقة بدقة وفقا لنشاط الدماغ.
كيف يمكن زيادة الطاقة داخل الخلايا العصبية؟
ركز الفريق على بروتين يُعرف باسم «LETM1»، الموجود في الغشاء الداخلي للميتوكوندريا، والذي يساعد على إخراج الكالسيوم منها. وعند تقليل نشاط هذا البروتين، بقي الكالسيوم داخل الميتوكوندريا لفترة أطول بعد تنشيط الخلايا العصبية.
وأدى ذلك إلى استمرار التحفيز الأيضي وإنتاج كمية أكبر من الطاقة دون الوصول إلى مستويات سامة.
تحسين واضح في الذاكرة طويلة المدى
اختبر الباحثون هذه الاستراتيجية في ذباب الفاكهة والفئران، ووجدوا تأثيرا واضحا على السلوك والقدرة على تكوين الذكريات طويلة المدى.
ففي الظروف الطبيعية، يتذكر ذباب الفاكهة ارتباطا معينا لبضع ساعات فقط، إلا أن تقليل نشاط بروتين LETM1 جعل تجربة واحدة كافية لتكوين ذاكرة تستمر لأكثر من 24 ساعة.
كما أظهرت التجارب على الفئران نتائج مشابهة، مما يشير إلى أن هذه الآلية محفوظة عبر أنواع مختلفة من الكائنات.
التأثير يقتصر على أنواع محددة من الذاكرة
لاحظ الباحثون أن هذا التعديل لم يحسن جميع أنواع الذاكرة، بل ركز على الذاكرة طويلة المدى التي تتطلب استثمارا طاقيا أكبر. ولم يظهر تأثير كبير على الذاكرة المتوسطة.
ويشير ذلك إلى أن زيادة الطاقة قد تستهدف عمليات الدماغ الأكثر تعقيدا، مثل تثبيت الذكريات.
آفاق مستقبلية لتحسين الأداء الإدراكي
تشير النتائج إلى أن زيادة الطاقة المتاحة للخلايا العصبية قد تحسن أيضا وظائف أخرى، مثل القدرة على التركيز والتحمل الذهني.
ورغم ذلك، لا تزال هذه التطبيقات بعيدة عن الاستخدام البشري، لأن الأساليب الجينية المستخدمة معقدة، كما أن اضطراب بروتين LETM1 مرتبط ببعض الأمراض مثل متلازمة وولف-هيرشهورن.
إعادة التفكير في دور الطاقة داخل الدماغ
تدعو هذه الدراسة إلى إعادة النظر في دور الطاقة داخل الدماغ، حيث لا تقتصر على كونها مصدرا للوقود، بل تُعد عاملا ينظم شدة ومدة النشاط العصبي.
ويخطط الباحثون لتطوير تقنيات أكثر دقة، مثل علم البصريات الوراثي، للتحكم في مستويات الكالسيوم داخل الميتوكوندريا ودراسة تأثيرها على الذاكرة.