بقلم ( عباس المعلم )
عشراتُ الآلاف من العائلات في بيوتهم، تحت سقف قلقٍ يكاد ينطبق على صدورهم، وشرارةُ حربٍ تحيط بهم من كل الجهات كأنها قدرٌ يتربّص بهم في كل زاوية. يجلسون صائمين… ليس عن الطعام والشراب فقط، بل عن البوح بما يختلج في صدورهم من خوفٍ وترقّب. صومٌ آخر أشدّ قسوة: صومُ الكلمات، وصومُ الوجع المكظوم، وصومُ الدموع التي لا يُراد لها أن تسقط. يهمسون في قلوبهم بالدعاء والاحتساب، وأنينٌ خفيّ يمرّ بين الجدران كظلّ الفقد قبل وقوعه، وكأن الدمار صار شبحاً يسبق خطاه.
وفجأة جاء إنذار الشيطان من إسرائيل: على سكان الضاحية الجنوبية أن يخرجوا فوراً من منازلهم.
فخرجوا.
خرج عشرات الآلاف من بيوتهم صائمين محتسبين؛ رجالاً ونساءً، أطفالاً وشيوخاً، ضعفاء ومتعبين، لكن قلوبهم معلّقة بالله وبالأرض التي اقتُلِعوا منها. خرجوا في اتجاهاتٍ شتى، طرقٌ كثيرة تتشعّب أمامهم، ولا أحد منهم يعلم أين ستكون محطّة هذا النزوح، ولا أيُّ سقفٍ سيحتمل تعبهم.
لكن عيونهم… لم تكن عيون منكسرين….
كانت عيوناً حاقدة على الظلم، عطشى للكرامة، تتكلم بلغة العنفوان والكبرياء. عيونٌ كأنها تقول بصمتٍ صارخ: نحن نسير في طرقٍ كثيرة، لكننا نتجه إلى طريقٍ واحد… طريق العودة.
سنعود….
سنعود إلى أرضنا، إلى بيوتنا المهدّمة، إلى حجارةٍ سقطت لكنها لم تُسقط فينا العزيمة. لن تهدم الجدران إرادتنا، ولن تجعلنا نستسلم، بل ستزيدنا صلابةً واشتعالاً. سيكبر في صدورنا الحقد على من اعتدى، وسيكبر أيضاً على أولئك الذين وقفوا شامتين، يراقبون المصيبة كأنهم كانوا ينتظرون هذا المصير لنا.
أُخرجنا من ديارنا بغير حق… لأننا أهل الحق…؟
ولهذا بالذات سنعود…
سنعود أقوى، أمضى، أشدّ صلابةً من الركام نفسه. سنعود لنرى الخيبة في وجوه من انتظروها على وجوهنا. أما نحن فلن نحمل على وجوهنا إلا شيئاً واحداً: يقين المظلوم الذي يعرف أن الطريق قد يمرّ بالألم والنزوح والدمع… لكنه لا ينتهي بالهزيمة أبداً.
عباس المعلم - كاتب سياسي