” حين يكتب الركام سؤال البراءة ويوقظ ضمير العالم: طفلة رضيعة في شهرها الرابع عشر ترتقي ضحية القصف العدواني مع ذويها وجدها السيد علي خامنئي، وطهران بين فاجعة الفقد ونبل الصمود، متمسكة بكبرياء السيادة وحق الدفاع المشروع في وجه أشرس تكالب جيوسياسي يطال المنطقة.
فبين سؤال الطفولة المقتولة ومنطق السيادة: قراءة إنسانية_استراتيجية في حق الدول بالدفاع عن أمنها وكرامتها".
في لحظات معينة من التاريخ، تتوقف لغة السيادة قليلا ليتقدم سؤال الضمير.
فحين تستهدف البيوت الآمنة وتقصف المدارس وتروع العائلات سواء في قطاع غزة وجنوب لبنان وفي الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لايعود الحدث مجرد تطور عسكري في نشرات الأخبار، بل يتحول إلى اختبار أخلاقي لضمير العالم.
ومن هذا المنظور، فإن العمل الإجرامي الذي أزهق روح طفلة وعائلتها، في سياق قصف إرهابي صهيو_ أمريكي طال بيتهم المتواضع وقصف مماثل لمرافق ومدرسة إناث كانت سببا لارتقاء 80 طفلة إلى العلا، بالإضافة إلى صالة رياضية ومراكز طبية وبيوت آمنة، لا يمكننا قراءتها بوصفها مجرد واقعة عابرة في صراع سياسي؛ بل كحدث يفتح بابا واسعا للتساؤل حول حدود القوة، ومعنى العدالة، وحق الشعوب في حماية أمنها وكرامتها.
1. البعد الإنساني للحدث
إن استهداف الفضاءات المدنية، وفق كثير من أدبيات القانون الدولي الإنساني، يمثل إحدى أكثر النقاط حساسية في النزاعات المعاصرة. فالمدرسة ليست مجرد مبنى تعليمي، بل هي رمز أنطولوجي لمستقبل المجتمع، والمركز الطبي ليس مجرد منشأة خدمية، بل تجسيد لقيمة الحياة ذاتها. ولهذا فإن سقوط الضحايا المدنيين، ولاسيما الأطفال، يعيد طرح السؤال الأخلاقي القديم المتجدد: كيف يمكن للحرب أن تدعي الشرعية حين تدفع البراءة ثمنها؟
2. الصراع في ميزان الجيوبوليتك.
غير أن قراءة الحدث بمعزل عن سياقه الجيوسياسي تبقى قراءة ناقصة. فالعلاقات الدولية المعاصرة تشهد ما يسميه بعض الباحثين بالتنافس الجيوستراتيجي على مناطق النفوذ والموارد.
وفي مثل هذه البيئات المتوترة، تتعرض الدول التي تحافظ على استقلال قراراتها السياسية تخلع رداء التبعية للقوى الإستعمارية الطامعة بسلب ونهب مواردها وإخضاعها لسياساتها التوسعية، لضغوط متعددة المستويات: عسكرية، إقتصادية وإعلامية. وهذا ما ينطبق على الجمهورية الإسلامية الإيرانية خصيصا بعد نجاح ثورتها على نظام العمالة والارتهان لقوى الأحادية القرار المهيمنة على العالم. هنا ما يسميه منظرو السياسة بمعادلة السيادة. أي حق الدولة في حماية أمنها القومي وترابها الوطني وردع التهديدات التي تستهدفها، كما تفعل المؤسسة العسكرية الإيرانية هذه الأيام في صد وردء أشرس عدوان عسكري ممهور بأصابع قوى الشر والطغيان الصهيو_ أمريكي.
3. حق الدفاع في المنطق السياسي والقانوني.
في هذا السياق تؤكد مدارس الاستراتيجيا الحديثة أن حق الدفاع عن النفس يمثل أحد المبادئ الأساسية في النظام الدولي.
فالدولة التي تتعرض لاعتداء مباشر على أراضيها أو مواطنيها تجد نفسها_وفق منطق السيادة_أمام مسؤولية حماية شعبها والحفاظ على أمنها.
ومن هنا يرى كثيرا من المحللين أن أي رد دفاعي في مثل هذه الحالات يقرأ ضمن إطار الردع الاستراتيجي، أي السعي لمنع تكرار الإعتداءت وإعادة التوازن إلى معادلة القوة. وهذا ما تنتهجه طهران اليوم.
4. التماسك الداخلي في مواجهة الضغوط.
التاريخ السياسي يشير كذلك إلى ظاهرة لافتة؛ فحين تتعرض الدول لضغط خارجي مكثف، غالبا ما يتعزز مايعرف في علم الاجتماع السياسي ب التماسك الجمعي. وقد أظهرت التجربة الإيرانية في مراحل مختلفة من تاريخها المعاصر أن الضغوط الخارجية كثيرا ما أدت إلى التفاف قطاعات واسعة من المجتمع حول فكرة السيادة الوطنية، باعتبارها خط الدفاع الأول عن استقلال القرار السياسي.
5. الرمزية القيادية.
أما شخصية الشهيد السيد علي خامنئي، فقد تحولت عبر عقود إلى رمز سياسي وديني لدى معظم الشعب الإيراني وحتى في العالم الإسلامي، مرتبط بالدفاع عن قضايا مركزية، وعلى رأسها فلسطين والقدس الشريف. ولهذا فإن أي استهداف يمس محيطه العائلي أو الرمزي يكتسب بعدا يتجاوز البعد الشخصي ليصبح جزءا من سردية الصمود في الوعي السياسي الجمعي الإيراني العربي والإسلامي.
ورغم كل الحسابات الجيوسياسية وتعقيدات الاستراتيجيا الدولية، يبقى السؤال الأخلاقي حاضرا فوق كل المعادلات. فالحروب قد تفسر بلغة المصالح، لكن الضمير الإنساني يظل يعود إلى سؤال أكثر عمقا: حين تسقط الطفولة بين الأنقاض وتحت الركام، من يجيب عن سؤال عالم البراءة؟ إن الدفاع عن السيادة حق تعترف به القوانين والأعراف الدولية، غير أن العدالة الحقيقية تبقى مرهونة بقدرة العلم على تذكر حقيقة بديهية: أن الطفولة يجب أن تبقى دائما خارج حسابات النار.
كاتب سوري حر.