نجح باحثون في جامعة كيل في تطوير مادة ثلاثية الأبعاد مبتكرة تسمح لخلايا الدماغ البشرية بالنمو والتواصل فيما بينها داخل المختبر بطريقة تحاكي الظروف الفسيولوجية الحقيقية بشكل أقرب من التقنيات السابقة.
وحتى الآن، كانت نماذج زراعة الخلايا ثلاثية الأبعاد التقليدية تعاني من مشكلتين رئيسيتين، فإما أن تكون صلبة للغاية بحيث تعيق التفاعل الطبيعي بين الخلايا، أو غير مستقرة لدرجة لا تسمح بإجراء دراسات طويلة الأمد على التواصل العصبي.
المادة الجديدة تتيح للعلماء دراسة العمليات العصبية وآليات التواصل بين خلايا الدماغ في بيئة أقرب إلى الواقع البيولوجي، ما قد يسهم في فهم أفضل للأمراض العصبية وتطوير علاجات مستقبلية.
فريق بحثي دولي يطور هيكلا فائق الخفة للخلايا العصبية
قاد فريق بحثي متعدد التخصصات بقيادة عالم المواد الدكتور ستيفان شرودر من كلية الهندسة في جامعة كيل تطوير هذه المادة الجديدة.
وتمكن الباحثون من تصنيع ما يعرف باسم الأيروهيدروجيل (Aerohydrogels)، وهي هياكل دقيقة خفيفة للغاية تتكون من ألياف مجوفة توفر بيئة ثلاثية الأبعاد واقعية لنمو نوعين مهمين من خلايا الدماغ:
الخلايا النجمية (Astrocytes) التي تساعد في الحفاظ على صحة النسيج العصبي.
الخلايا الدبقية الصغيرة (Microglia) التي تعمل كخلايا مناعية في الدماغ وتستجيب للتهديدات المحتملة.
وقد نُشرت نتائج الدراسة في مجلة Chem & Bio Engineering بالتعاون مع باحثين من كلية الطب بجامعة هارفارد في الولايات المتحدة وجامعة أكسفورد في المملكة
المتحدةبلورات أكسيد الزنك أساس الهيكل ثلاثي الأبعاد
اعتمد الباحثون في تصميم المادة الجديدة على بلورات رباعية الأذرع من أكسيد الزنك (Tetrapodal Zinc Oxide) التي تشكل في البداية هيكلا ثلاثي الأبعاد مترابطا.
بعد ذلك قام الفريق بتغطية هذا الهيكل بطبقة رقيقة للغاية من الهيدروجيل باستخدام تقنية الترسيب الكيميائي بالبخار المُحفَّز (iCVD).
وفي المرحلة التالية تم إزالة أكسيد الزنك، ما أدى إلى بقاء شبكة خفيفة جدًا من الهيدروجيل تعمل كهيكل داعم يسمح في الوقت نفسه بمرور:
المغذيات
الجزيئات المسؤولة عن الإشارات الخلوية
وهو ما يتيح للخلايا التفاعل والتواصل بشكل طبيعي.
مرونة أكبر مقارنة بالهياكل التقليدية
بالمقارنة مع هياكل زراعة الخلايا ثلاثية الأبعاد التقليدية، توفر الأيروهيدروجيل عدة مزايا مهمة، منها:
ثبات أعلى دون الذوبان بعد أيام قليلة كما يحدث في بعض المواد الأخرى.
إمكانية التحكم المستقل في حجم المسام داخل الهيكل.
القدرة على ضبط الخصائص الميكانيكية مثل الصلابة.
تعديل التركيب الكيميائي للسطح بما يتناسب مع أنواع مختلفة من الخلايا.
وفي العديد من الهياكل الحيوية الأخرى تكون هذه الخصائص مترابطة، مما يجعل تعديلها بشكل منفصل أمرا صعبا.
محاكاة دقيقة للبيئة خارج الخلايا في الدماغ
يوضح البروفيسور راينر أديلونغ، أحد المشاركين في الدراسة وخبير تطوير بلورات أكسيد الزنك رباعية الأذرع، أن هذه المادة تحاكي بدقة البيئة المحيطة بالخلايا داخل الدماغ.
وقال:
إن الأيروهيدروجيل تقلد الحيز خارج الخلايا في الدماغ، كما يمكن تعديل خصائصها الميكانيكية بدقة مثل درجة الصلابة وحجم المسام.
وأشار إلى أن هذه التقنية قد تسمح مستقبلا بتكييف الهياكل الحيوية لتناسب أنسجة مختلفة في الجسم، لأن أنسجة القلب على سبيل المثال أكثر صلابة بكثير من أنسجة الدماغ، وهو ما يمكن أخذ اختلافاته في الاعتبار باستخدام هذه المواد.
استخدام التقنية في شركة ناشئة مستقبلا
يعمل الباحثون أيضا على استخدام تقنية الطلاء iCVD نفسها ضمن شركة ناشئة أسسها الدكتور شرودر والباحث تورغه هارتيغ في جامعة كيل.
ومن المتوقع أن تقدم هذه الشركة في المستقبل هياكل زراعة الخلايا ثلاثية الأبعاد للاستخدام التجاري في مجالات البحث الطبي والهندسة الحيوية.
دراسة تفاعل خلايا الدماغ داخل الهيكل الجديد
في الجانب الطبي من الدراسة، استخدم الباحثون خلايا دماغ بشرية حقيقية، وهي:
الخلايا النجمية
الخلايا الدبقية الصغيرة
ولاختبار كيفية تواصل هذه الخلايا مع بعضها البعض، استخدمت الباحثة الدكتورة لويز شلوتيروس من جامعة أكسفورد مادة ليبوبوليسكاريد (LPS)، وهي مركب بكتيري معروف بقدرته على تحفيز الاستجابات الالتهابية.
وبالتعاون مع علماء من المعهد التشريحي، قام الفريق بتحليل استجابة الخلايا على المستوى الجزيئي من خلال دراسة نشاط جينات محددة تتحكم في إنتاج جزيئات الإشارة الالتهابية.
نتائج تكشف تواصلا خلوياً دون تماس مباشر
أظهرت النتائج أن الخلايا الدبقية الصغيرة تتصرف بشكل مختلف عندما تُزرع منفردة على الأيروهيدروجيل مقارنة بزراعتها مع الخلايا النجمية.
وعند وجود الخلايا النجمية، لوحظ انخفاض في بعض الاستجابات الالتهابية، وهو ما يشير إلى أن الخلايا قادرة على التواصل عبر الهيكل ثلاثي الأبعاد حتى دون اتصال مباشر بينها.
آفاق مستقبلية في الطب وتقليل التجارب على الحيوانات
تتيح هذه المادة الجديدة للعلماء دراسة:
العمليات العصبية
التواصل بين الخلايا
استجابة الخلايا للمؤثرات الخارجية
بواقعية أكبر مقارنة بنماذج زراعة الخلايا ثنائية الأبعاد أو حتى بعض النماذج ثلاثية الأبعاد التقليدية.
وعلى المدى الطويل، قد تساعد تقنية الأيروهيدروجيل الباحثين في إعادة إنشاء أنسجة مفقودة أو متضررة داخل المختبر، إضافة إلى تقليل الاعتماد على التجارب الحيوانية عبر دراسة التفاعلات الخلوية المعقدة مباشرة في المختبر.