الحرب على إيران … من حلم الحسم السريع إلى مأزق الاستنزاف
مقالات
الحرب على إيران … من حلم الحسم السريع إلى مأزق الاستنزاف
وائل المولى
12 آذار 2026 , 04:40 ص

تشير مجريات الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران إلى أن الصراع دخل بالفعل مرحلة أكثر تعقيدا تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية. فبعد الأيام الأولى التي اتسمت بضربات كثيفة ومحاولات لإحداث صدمة استراتيجية داخل إيران، بدأت تتكشف ملامح واقع ميداني وسياسي مختلف عمّا رُوّج له في بداية الحرب. يومها رفعت واشنطن وتل أبيب أهدافا كبيرة وهي إسقاط النظام الإيراني، تدمير المفاعلات النووية، تحييد برنامج الصواريخ الباليستية، وإضعاف البنية العسكرية الإيرانية إلى حد يجعلها غير قادرة على استعادة قوتها. غير أن مسار الأحداث أظهر أن تحقيق هذه الأهداف ليس بالسهولة التي تصورها المخططون للحرب.

فرغم الضربات القاسية التي تلقتها، تمكنت إيران من الحفاظ على تماسك بنية نظامها السياسي والعسكري. فقد جرى سريعا سد الفراغات في القيادة، بدءًا من انتخاب مرشد أعلى جديد، وصولا إلى إعادة تشكيل القيادات العسكرية التي فقدت في الضربة الأولى. وفي الوقت نفسه لم يتعرض البرنامج الصاروخي أو النووي للشلل الكامل الذي كانت واشنطن وتل أبيب تراهنان عليه. بل إن ما ظهر تدريجيًا هو قدرة إيرانية على امتصاص الضربات والانتقال من مرحلة الصدمة إلى إدارة الصراع على المدى الطويل، وهي استراتيجية تقوم على الاستنزاف بدل الحسم السريع.

هذه التطورات بدأت تترك أثرها داخل دوائر القرار في واشنطن. فمع اتساع نطاق الحرب وتزايد كلفتها، ظهرت مؤشرات على إدراك متزايد بأن النتائج المحققة أقل بكثير من التوقعات الأولية. ومن هنا يمكن فهم التصريحات التي صدرت عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي قال فيها إن “كل الأهداف دُمّرت”، وهي تصريحات قرأها كثيرون بوصفها تمهيدًا لمحاولة الخروج من الحرب سياسيًا أو على الأقل تقليص الانخراط العسكري المباشر فيها.

إحدى أبرز المعضلات التي واجهت الولايات المتحدة تمثلت في تعرض قواعدها العسكرية في المنطقة لسلسلة من الضربات. فهذه الهجمات لم تكن مجرد ردود رمزية، بل حملت رسالة واضحة مفادها أن أي حرب مفتوحة مع إيران ستعني تلقائيا تعريض شبكة الانتشار العسكري الأميركي الواسعة في الشرق الأوسط لمخاطر دائمة. والأهم أن خصوم واشنطن باتوا يدرسون بدقة نقاط القوة والضعف في هذا الانتشار.

لكن الورقة الأكثر حساسية في الاستراتيجية الإيرانية ظهرت في مجال آخر، هو الطاقة العالمية. فقد أوضحت طهران، بشكل مباشر أو غير مباشر، أنها قادرة على تحويل خطوط إمداد النفط والغاز إلى عنصر ضغط استراتيجي، بحيث لا تبقى الحرب مسألة إيرانية – إسرائيلية فحسب، بل تتحول إلى أزمة تمس الاقتصاد العالمي بأسره. وهنا يبرز مضيق هرمز باعتباره أحد أهم مفاتيح الصراع، إذ تسعى إيران إلى إدخاله في معادلة تفاوض واضحة: أمن الطاقة مقابل رفع العقوبات الاقتصادية. أي أن استقرار تدفق النفط عبر الخليج لن يكون مضمونا ما لم يتم التوصل إلى تسوية سياسية واقتصادية أوسع.

في المقابل، يبدو أن طهران انتقلت في المرحلة الجديدة من الحرب إلى استراتيجية مختلفة تقوم على دفع الكلفة دفعة واحدة. فبدل الردود المحدودة والمتدرجة، تشير المعطيات إلى توجه نحو تصعيد واسع يعتمد على تكثيف الضربات الصاروخية واستخدام الطائرات المسيّرة وتوسيع نطاق الاستهداف، بهدف إخراج أكبر قدر ممكن من القوات الأميركية من المنطقة وإجبار إسرائيل على دفع ثمن مماثل لما تسببه من دمار في إيران ولبنان.

ضمن هذا الإطار، يُتوقع أن تلعب الفصائل العراقية دورا محوريا في ما يمكن وصفه بشبكات الحرب اللامركزية، عبر استهداف مصادر الطاقة والبنى التحتية المرتبطة بها في أكثر من دولة، بما يجعل كلفة الحرب موزعة على أطراف عدة. كما تشير بعض التقديرات إلى ضغوط سياسية وأمنية محتملة على دول خليجية مثل البحرين والإمارات، في محاولة لترسيخ معادلة مفادها أن الولايات المتحدة غير قادرة على ضمان أمن حلفائها بشكل كامل.

وفي الوقت نفسه يبرز دور حزب الله الدي حقق مفاجأة للجميع كأحد أهم عناصر التصعيد. فالحزب، بعد مرحلة من المشاغلة الصاروخية، بدأ ينتقل تدريجيا إلى استراتيجية هجومية تقوم على الضربات المركزة واستدراج إسرائيل إلى معارك برية يرى فيها فرصة لتقليص التفوق الجوي الإسرائيلي وإلحاق خسائر أكبر بالجيش الإسرائيلي. وقد أعلن الحزب عن عمليات تحمل اسم “العصف المأكول”، في إشارة إلى انتقاله من مرحلة الدفاع إلى الهجوم المباشر، بينما تشير تقارير إلى أن تل أبيب طرحت بالفعل فكرة وقف إطلاق النار معه، وهو ما رفضه الحزب في هذه المرحلة.

وفي خلفية كل ذلك يبرز عامل رمزي شديد التأثير يتمثل في رغبة معلنة لدى إيران وحلفائها في الانتقام لاغتيال شخصيات قيادية كبرى مثل الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله والمرشد الإيراني علي خامنئي، ما يضفي على الصراع بعدا يتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية.

وفي موازاة ذلك يبقى اليمن عاملا مؤجلا في المعادلة، إذ تشير التقديرات إلى أن دخوله الكامل في الحرب قد يتم في توقيت محسوب بدقة، خصوصًا إذا اتجهت إسرائيل نحو فتح جبهة برية واسعة في لبنان. وعندها قد يتشكل ما يشبه الطوق الإقليمي حول إسرائيل، ما يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة في مسار الحرب.

في ضوء هذه المعطيات كلها، يبدو أن الشرق الأوسط يقف على أعتاب مرحلة تصعيد أشد تعقيدا، قد تتحول فيها المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة تمتد جغرافيا من الخليج إلى البحر المتوسط، وتصبح فيها المنطقة بأكملها ساحة مفتوحة لصراع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة والاقتصاد العالمي.

المصدر: موقع اضاءات الإخباري