عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
لم يعد الدمار الذي يضرب غزة ومدن لبنان مجرد نتيجة جانبية لحرب حديثة.
فما يجري يشبه إلى حدٍّ مخيف إعادة إحياء لصفحات قديمة من العهد القديم، حيث كانت المدن تُحاصر وتُدمّر وتُحرق بالكامل تحت مفهوم “التحريم”.
ففي تلك الروايات التوراتية سقطت أسوار أريحا، وأُحرقت مدينة عاي، ومُحيت مدن كاملة من الوجود باعتبار ذلك تنفيذًا لإرادة إلهية.
واليوم، بعد آلاف السنين، تتكرر المشاهد نفسها:
لكن بدل الأبواق تسقط الصواريخ، وبدل الجيوش القديمة تحلّ الطائرات الحربية.
إنه المشهد ذاته:
مدن تُمحى… وسكان يُهجَّرون… وعالم يراقب بصمت. وذلك بتطبيق التالي:-
أولًا: عقيدة العماليق… العدو الذي يجب محوه
ففي النصوص التوراتية يُقدَّم العماليق باعتباره العدو الذي يجب القضاء عليه بالكامل.
ويَرِد في سفر صموئيل الأمر الصريح:
“اذهب واضرب عماليق وحرّموا كل ما له، ولا تعفُ عنهم”.
هذا النص لا يتحدث عن هزيمة عسكرية فحسب، بل عن إبادة كاملة لشعب بأسره.
ومع مرور الزمن تحولت هذه الرواية إلى رمز عقائدي خطير في بعض التيارات الصهيونية المتطرفة التي ترى أن بعض الأعداء لا يمكن التعايش معهم بل يجب القضاء عليهم.
وقد إستحضر نتنياهو مفهوم "العماليق" بتاريخ 25 نيسان/أبريل 2024، فقال: «التوراة تقول لنا تذكروا ما فعل بكم عماليق، نعم إننا نتذكر ونحارب». وأنتم نَتشاهدون نتائج إبادة العماليق في غزة.
واستحضر نتنياهو العماليق مجددًا بتاريخ 2 آذار من خلال الوقائع التالية:
نتنياهو: "العدوان الإسرائيلي الأمريكي المتواصل على إيران في "سياق توراتي دموي" بحديثه عن "محو عماليق".
جاء ذلك بحسب تصريحات أدلت بها
بها وزيرة الاستيطان الإسرائيلية أوريت ستروك، صباح الأحد، لإذاعة "كول باراما" المحلية المعبرة عن اليهود المتدينين "الحريديم".
وقالت ستروك، عضو المجلس الوزاري السياسي الأمني المصغر (الكابينت): "تحدث معي نتنياهو صباح أمس مع بداية العملية، وأخبرته أن هذا مناسب جدا لـ"سبت التذكر" (شبات زاخور)".
وأضافت: "فأجابني بأننا هذه المرة لا نتذكر فقط محو عماليق، بل إننا نقوم بمحو عماليق أيضا".
و"سبت التذكر" هو السبت الذي يسبق "عيد البوريم" (المساخر) اليهودي ويبدأ غدا الاثنين، وفيه يُقرأ في الكُنس مقطع من التوراة يتناول وصية تذكّر ما فعله "العماليق" ببني إسرائيل.
ويمثل العماليق "ذروة الشر" في التقاليد اليهودية، ويستخدم هذا التعبير عادة للإشارة إلى الشعوب التي تدعي تل أبيب أنها "تُهدِّد الوجود اليهودي".
ثانيًا: التحريم التوراتي… تدمير المدن كعقيدة
يرتبط مفهوم التحريم (ḥerem)
في العهد القديم بإبادة المدن المعادية بالكامل.
ومن أبرز الأمثلة:
- تدمير أريحا وإحراق المدينة بالكامل.
- حرق مدينة عاي بعد سقوطها.
- هدم المعابد الوثنية وتحطيم أصنامها.
- إحراق البيوت والقصور لمنع عودة الحياة إليها.
فلم يكن الهدف مجرد السيطرة العسكرية، بل محو المدينة من الوجود كي لا تعود قادرة على النهوض من جديد.
ثالثًا: سياسة الأرض المحروقة في غزة ولبنان
فما جرى بالأمس في غزة، ويجري اليوم في لبنان يعكس نمطًا يكاد يكون نسخة حديثة من تلك العقائد القديمة.
فالإستهداف لا يقتصر على مواقع عسكرية، بل يشمل:
- الأبراج السكنية
- الأحياء المدنية
- البنية العمرانية الحديثة
- القرى والبلدات الحدودية
والنتيجة هي تحويل مناطق واسعة إلى مدن أشباح لا تصلح للحياة.
إنها سياسة الأرض المحروقة التي تهدف إلى كسر إرادة الشعوب عبر تدمير البيئة الحياتية التي يعيش فيها المدنيون.
رابعًا: صمت مجلس الأمن ودول G7
فبرغم حجم الدمار الهائل في لبنان، يقف المجتمع الدولي موقف المتفرج.
فقد ارتُكبت خلال الأشهر الماضية أكثر من 15000 جريمة قصف استهدفت مناطق مدنية، إضافة إلى:
- تدمير آلاف المباني السكنية
- تدمير أكثر من 600 آلية ومعدة للبناء والإعمار
- إستهداف أشخاص محميين بموجب القانون الدولي الإنساني
ومع ذلك، يكتفي مجلس الأمن ودول مجموعة السبع، ببيانات دبلوماسية باهتة لا توقف العدوان ولا تحمي المدنيين.
وهكذا يتحول الصمت الدولي إلى مظلة سياسية، تتيح استمرار الجرائم بلا مساءلة.
خامسًا: الحكم في لبنان… حين تتماهى القرارات مع المشروع الصهيو-أمريكي
في ظل هذا العدوان غير المسبوق، كان يفترض بالدولة اللبنانية أن تتخذ موقفًا حازمًا دفاعًا عن سيادتها وشعبها.
لكن ما حدث كان صادمًا.
ففي جلستي 5 و7 آب 2025، جرى إقرار ما عُرف بـ “ورقة الأهداف الأمريكية” التي تنص على سحب سلاح المقاومة، وذلك في وقت لا يزال فيه الاحتلال الإسرائيلي يحتل أراضي لبنانية ويرفض الانسحاب منها.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل صدر قرار يعتبر المقاومة "جماعة خارجة عن القانون" ، في الوقت الذي يعلن فيه نتنياهو صراحةً نيته إنشاء منطقة عازلة حتى نهر الليطاني وتحويلها إلى منطقة لا حياة فيها.
وفي ذروة هذا التراجع السياسي، أعلن رئيس الجمهورية استعداده للتفاوض مع العدو الإسرائيلي تحت النار ومن دون امتلاك أي عناصر قوة.
والتفاوض تحت القصف، ومن موقع الضعف الكامل، لا يمكن وصفه إلا بأنه إستسلام سياسي مذل.
وبذلك تبدو قرارات رئاسة الجمهورية والحكومة وكأنها استجابة مباشرة للإملاءات الصهيو-أمريكية، وتماهٍ كامل واضح مع الأجندة الأمريكية التي تسعى إلى القضاء على حزب الله، خدمة للمصالح الإسرائيلية.
#حين يخرج مارد المقاومة من قمقمه
لكن التاريخ اللبناني علّم الجميع أن الشعوب لا تنتظر إذنًا للدفاع عن نفسها.
فبعد أكثر من 15000 جريمة حرب ارتكبها الاحتلال خلال خمسة عشر شهرًا، وبعد صمت الدولة عن حماية السيادة والشعب، انتقل واجب الدفاع الطبيعي إلى المقاومة.
فقد خرج مارد المقاومة من قمقمه ليواجه الإحتلال، حيث عجزت الدولة وتخلّت عن دورها في الدفاع عن السيادة وعن الشعب اللبناني.
وقد اعترف العدو نفسه، بأن المواجهة العنيفة مع حزب الله قلبت الطاولة على الجميع.
فالتجربة أثبتت أن كلفة المقاومة، مهما بلغت، تبقى أقل بكثير من كلفة العيش تحت ظل الاحتلال وذله.
الخاتمة
إن ما يجري اليوم ليس مجرد حرب حدودية، أو صراع عسكري عابر.
إنه صراع بين مشروعين متناقضين:
مشروع يستحضر عقيدة العماليق والتحريم ليحوّل تدمير المدن إلى سياسة عسكرية.
ومشروع مقاومة يرى أن السيادة لا تُوهب بل تُنتزع.
وفي عالم يصمت فيه مجلس الأمن، وتتواطأ فيه القوى الكبرى، وتضعف فيه بعض الحكومات أمام الإملاءات الخارجية، يبقى درس التاريخ واضحًا:
المدن قد تُدمَّر…
لكن الشعوب التي تقاوم لا تُهزم.
فليعلم الشعب اللبناني خطورة ما يخطط له العدو وينفذه ضد العماليق، لأن دولتنا العتيدة ترى في العدو المحتل الخطير، حملًا وديعًا؛ لأن الإملاءات الأمريكية تفرض عليهم الصمت للقضاء على " العماليق" للعيش لاحقًا بسلام.
فيا فخامة رئيس الجمهورية لقد حنثت بقسمك الذي أقسمته لتولي رئاسة الجمهورية حسب (المادة 50) من الدستور اللبناني:
"أحلف بالله العظيم أني أُحترم دستور الأمة اللبنانية وقوانينها، وأحفظ استقلال الوطن اللبناني وسلامة أراضيه".
ويا حضرة رئيس الحكومة لم تلتزم لما تعهدت به أمام المجلس النيابي في مقدمة البيان الوزاري التي نالت حكومتكم الثقة على أساسه :
"نمثل أمامكم حكومة مُتضامنة، ومُلتزمة الدّفاع عن سيادة لبنان ووحدة أرضه وشعبه والعمل الجاد من اجل إخراجه من المِحن والأزمات، والإستجابة لتَطلّعات المواطنات والمواطنين. وتلتزم حكومتنا بحماية حُريّات اللبنانيّين وأمنهم وحقوقهم الأساسية، وفي مُقدّمها حَقّهم في العيش الكريم. وسوف تسعى لأن تكون جديرة بالتسمية التي أطلقتها، حكومة تُقدِم على الإصلاح وتتجنَد من أجل الإنقاذ وهي مُدركة أن الإصلاح هو طريقنا إلى الإنقاذ."
فلم يتحقق" الدّفاع عن سيادة لبنان ووحدة أرضه وشعبه"؛ وإذا قصَّر المجلس النيابي في َمساءلتكم، فالشعب الذي هو مصدر السلطات كفيل بذلك، وهو سيصدر حكمه عليكم.
وإنَّ غدًا لناظره قريب
13 آذار/مارس 2026