ماذا لو أُغلق باب المندب إلى جانب مضيق هرمز ؟
مقالات
ماذا لو أُغلق باب المندب إلى جانب مضيق هرمز ؟
مهدي مبارك عبد الله
14 آذار 2026 , 13:07 م

د. مهدي مبارك عبد الله

يشكّل مضيق باب المندب إلى جانب مضيق هرمز عقدتين جغرافيتين بالغتي الحساسية في بنية الاقتصاد العالمي المعاصر الذي يقوم على حركة التجارة العابرة للقارات ويعتمد بدرجة كبيرة على سلامة هذه الممرات البحرية الضيقة التي تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة الطاقة والبضائع ومن هنا فإن أي اضطراب في هذه النقاط لا يُعد مجرد حادث جغرافي عابر بل تحول استراتيجي قد يمتد أثره إلى الأسواق العالمية وإلى استقرار النظام الاقتصادي الدولي برمته

يقع باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر حيث يفصل بين اليمن من جهة وجيبوتي وإريتريا من جهة أخرى ويبلغ عرضه في أضيق نقطة نحو 26 كيلومتراً ما يجعله نقطة اختناق بحرية حساسة أما مضيق هرمز فيمثل بوابة الخليج العربي إلى العالم وتمر عبره النسبة الأكبر من صادرات النفط الخليجية وبين هذين المضيقين يتشكل طريق بحري رئيسي يربط آسيا بأوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة هو ماذا لو أُغلق هذان المضيقان في الوقت ذاته وهل سيكون عندها العالم أمام أزمة ملاحة عابرة ام أمام واحدة من أخطر الصدمات الاقتصادية والجيوسياسية في العصر الحديث

أهمية باب المندب لا تتوقف عند حركة التجارة فحسب بل تمتد إلى سوق الطاقة العالمي إذ تمر عبره كميات كبيرة من النفط والغاز المتجهة من الخليج إلى أوروبا وتشير التقديرات إلى أن ملايين البراميل من النفط تعبر هذا المضيق يوميا وهو ما يجعله أحد الشرايين الحيوية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي في تلبية احتياجاته من الطاقة

التقديرات الاقتصادية تشير إلى أن ما بين 12 و15 بالمئة من التجارة العالمية تمر عبر مضيق باب المندب كما تعبره سنوياً أكثر من عشرين ألف سفينة شحن تنقل ما يقارب 1.6 مليار طن من البضائع ويُعد هذا المضيق البوابة التي تعبر من خلالها معظم السفن المتجهة إلى قناة السويس وان اغلاق باب المندب عمليا يعني اغلاق القناة إذ يمر عبره نحو 98 بالمئة من السفن التي تدخلها

إذا ما أُغلق هذا الممر الحيوي فإن السفن القادمة من آسيا والمتجهة إلى أوروبا ستُجبر على الالتفاف حول القارة الإفريقية عبر طريق رأس الرجاء الصالح وهذا المسار البديل يضيف ما بين ثلاثة إلى أربعة آلاف ميل بحري إلى الرحلة ويطيل زمن الإبحار من عشرة أيام إلى أسبوعين إضافيين ما يرفع تكاليف الوقود والشحن والتأمين بشكل كبير ولا تقتصر أهمية باب المندب على التجارة العامة بل يمتد تأثيره إلى سوق الطاقة العالمي إذ تعبر من خلاله ملايين البراميل من النفط يومياً بما يمثل جزءاً مهماً من إمدادات الطاقة التي تصل إلى أوروبا

الخطر الحقيقي يظهر جليا اذا ما تزامن تعطّل هذا المضيق مع إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره الجزء الأكبر من صادرات النفط الخليجية وفي هذه الحالة ستواجه الأسواق العالمية نقصاً حاداً في الإمدادات الأمر الذي قد يدفع أسعار النفط والغاز للارتفاع إلى مستويات قياسية تشعل موجة تضخم اقتصادي عالمية

خلال السنوات الأخيرة تحوّل البحر الأحمر إلى ساحة توتر متصاعد خاصة بعد الهجمات التي استهدفت السفن التجارية في المنطقة وقد أظهرت هذه الأحداث مدى هشاشة الملاحة في الممرات الضيقة التي تعتمد عليها التجارة الدولية ويعتقد العديد من المحللين أن باب المندب قد يتحول إلى ورقة ضغط استراتيجية في الصراعات الإقليمية القائمة خصوصاً في ظل سيطرة القوى المحلية على السواحل المطلة عليه فالمضيق لا يبعد كثيراً عن مناطق النفوذ العسكري في اليمن ما يجعله عرضة للتوترات العسكرية أو الهجمات غير التقليدية مثل الطائرات المسيرة والزوارق المفخخة

المؤكد على ارض الواقع ان الممرات البحرية ليست بمنأى عن الصراعات الإقليمية خاصة وان المضيق يقع في منطقة جيوسياسية شديدة الحساسية حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية وتجاوره سواحل تشهد منذ سنوات اضطرابات عسكرية وأمنية الأمر الذي يجعل الملاحة فيه عرضة للتهديد في حال تصاعد التوترات أو اتسعت رقعة الصراعات في المنطقة

هذه المعادلة تُظهر أن العالم رغم تطور التكنولوجيا ووسائل النقل لا يزال أسيراً لعقد جغرافية محدودة تتحكم في تدفق التجارة والطاقة والممرات البحرية الضيقة مثل هرمز وباب المندب التي تشبه الصمامات التي تتحكم في نبض الاقتصاد العالمي وإذا اجتمع إغلاق هذين المضيقين في لحظة واحدة فإن العالم قد يجد نفسه أمام اختناق مزدوج في شرايين التجارة والطاقة وهو سيناريو كفيل بإعادة رسم خرائط النفوذ البحري وفتح الباب الواسع أمام سباق دولي لحماية طرق الإمداد الحيوية

في النهاية قد يبدو اعلاق المضيقين سيناريو افتراضي متخيل لكنه في الحقيقة يكشف عن هشاشة النظام الاقتصادي العالمي أمام التوترات الجيوسياسية وان المضيقان اللذان لا يتجاوز عرض كل منهما عشرات الكيلومترات يمتلكان قدرة هائلة على التأثير في حياة مليارات البشر وأن اضطرابها في لحظة واحدة قد يكون كفيلا بإحداث صدمة اقتصادية وجيوسياسية تمتد آثارها إلى مختلف القارات والأسواق في العالم وبين هذين المضيقين الضيقين تقف الحقيقة الجيوسياسية الكبرى التي تبين بانه يكفي إغلاق بابين صغيرين في البحر كي يرتجف اقتصاد العالم بأسره

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية

[email protected]