لم تعد الحرب الأمريكية -الإسرائيلية على إيران مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بل دخلت مرحلة جديدة أكثر خطورة مع الإعلان الرسمي عن اغتيال علي لاريجاني أحد أبرز أعمدة النظام الإيراني، وما تبعه من رد صاروخي واسع استهدف قلب تل أبيب ومدنا أخرى.
هذه اللحظة لا تمثل مجرد تصعيد عابر، بل تشكل نقطة تحول استراتيجية قد تعيد رسم ملامح المنطقة بأكملها.
ضربة في قلب العقل السياسي
لم يكن علي لاريجاني مجرد مسؤول سياسي عابر، بل كان يمثل حلقة وصل دقيقة بين مؤسسات الحكم في إيران: من القيادة الدينية إلى الحرس الثوري، مرورا بمؤسسات الدولة الدبلوماسية والأمنية. اغتياله لا يعني فقط استهداف شخصية نافذة، بل ضرب أحد مراكز التوازن داخل النظام.
في الأنظمة المعقدة كالنظام الإيراني، تلعب الشخصيات “الوسيطة” دورا حاسما في إدارة الأزمات ومنع الانزلاق نحو الانفجار الشامل. ومع غياب لاريجاني، يتراجع صوت البراغماتية لصالح منطق القوة، استهدافه لا يمكن فهمه إلا في سياق ضرب “العقل المنظم” للنظام، وليس مجرد تصفية شخصية سياسية. ما يفتح الباب أمام قرارات أكثر تشددا وأقل قابلية للاحتواء.
وفي هذا السياق، يبرز احتمال صعود الحرس الثوري ليملأ الفراغ، ما يعني انتقال القرار بشكل أكبر نحو الجناح العسكري، وتراجع دور التيار البراغماتي داخل النظام. والنتيجة المرجحة هنا ليست التهدئة، بل مزيد من التصعيد.
في الوقت نفسه، لا يمكن استبعاد احتمال حدوث ارتباك داخلي أو صراع أجنحة، نظرا لأن لاريجاني كان يمثل تيارا عقلانيا داخل بنية الحكم. غير أن سيناريو “التوحيد تحت ضغط الحرب” يبقى قائما أيضا، خاصة في ظل التهديدات الخارجية.
الرد الإيراني … تغيير قواعد الاشتباك
لم يتأخر الرد الإيراني، فجاء على شكل وابل من الصواريخ الثقيلة التي استهدفت العمق الإسرائيلي، وعلى رأسه تل أبيب. هذا الرد لا يمكن قراءته كعملية انتقامية محدودة، بل كإعلان صريح عن تغيير قواعد الاشتباك.
للمرة الأولى بهذا الوضوح، تنتقل إيران من سياسة “الرد المحسوب” إلى “الضرب المباشر للمدن”، في رسالة مفادها أن استهداف القيادات العليا سيقابله استهداف مماثل في الداخل الإسرائيلي.
هذا التحول يضع إسرائيل أمام معادلة جديدة: كل نجاح استخباراتي أو عسكري في العمق الإيراني سيقابله ثمن داخلي متصاعد، ما يعني دخول الجبهة الداخلية الإسرائيلية في قلب المعركة.
من حرب الظل إلى حرب كسر العظم
ما يجري اليوم يمكن وصفه بوضوح بأنه انتقال من “حرب الظل” إلى “حرب كسر العظم”. اغتيالات في طهران تقابلها صواريخ في تل أبيب، واستهداف للقيادات يقابله استهداف للبنية المدنية.
هذه المعادلة تعني أن الصراع لم يعد قابلا للضبط عبر القنوات التقليدية، بل يتجه نحو مسار تصاعدي مفتوح، حيث يصبح كل طرف مضطرا للرد بشكل أقوى من السابق للحفاظ على توازن الردع.
مضيق هرمز … الورقة الأخطر
في موازاة التصعيد العسكري، يبرز مضيق هرمز كأخطر أوراق الضغط في يد إيران. فمع تهديد الملاحة وتصاعد التوتر في هذا الشريان الحيوي الذي يمر عبره جزء كبير من نفط العالم، تتحول الحرب من نزاع إقليمي إلى أزمة دولية ذات أبعاد اقتصادية خطيرة.
لأنه مع أي تعطيل فعلي للمضيق لن يضرب خصوم إيران فقط، بل سيهز الاقتصاد العالمي بأكمله،
إغلاق المضيق جزئياً عبر هجمات محدودة تعطل الملاحة دون وقفها بالكامل، وهو مايحصل في المرحلة الحالية.
مع احتمال اندلاع مواجهة بحرية مع تدخل أمريكي لحماية الملاحة، وسط صعوبات في تشكيل تحالف دولي فعال.
وقد تنزلق الأمور إلى استهداف ناقلات النفط بشكل مباشر، ما قد يؤدي إلى مواجهة مفتوحة مع البحرية الأمريكية وبالتالي سيكون هنالك أزمة إقتصادية عالمية .
إلى أين تتجه الأمور؟
المشهد الحالي يشير إلى ثلاثة مسارات محتملة:
الأول، استمرار التصعيد المتبادل عبر ضربات موجعة دون الوصول إلى حرب شاملة، وهو سيناريو هش وقابل للانفجار في أي لحظة.
الثاني، انزلاق تدريجي نحو مواجهة إقليمية واسعة مع دخول أطراف جديدة على خط النار.
أما الثالث، وهو الأخطر، فيتمثل في فقدان السيطرة على مسار التصعيد، ما قد يقود إلى حرب مفتوحة تتجاوز حدود المنطقة.
اغتيال علي لاريجاني لم يكن حدثا عابرا، بل زلزالا سياسيا وأمنيا ضرب عمق النظام الإيراني، وأطلق سلسلة تفاعلات سريعة وعنيفة أعادت تعريف قواعد الصراع.
المنطقة اليوم تقف على حافة مرحلة جديدة، عنوانها الرئيسي: غياب الخطوط الحمراء.
وفي عالم كهذا، لا تكون المشكلة في اندلاع الحرب، بل في العجز عن إيقافها