بين حافة الانفجار وانهيار الطاقة واشنطن تُساق إلى حرب بلا سقوف في الشرق الأوسط..
مقالات
بين حافة الانفجار وانهيار الطاقة واشنطن تُساق إلى حرب بلا سقوف في الشرق الأوسط..
عباس المعلم
20 آذار 2026 , 06:02 ص

بقلم ( عباس المعلم )

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس القرارات بحجم الضربة بل بعمق ارتداداتها، ولا تُقرأ الحروب من بداياتها بل من مآلاتها. وما نشهده اليوم ليس مجرّد تباين تكتيكي بين واشنطن وتل أبيب، بل تباعد في فلسفة إدارة الصراع: بين من يسعى إلى هندسة الفوضى ضمن حدود محسوبة، ومن يدفع نحو انفجار شامل بلا سقوف ولا ضوابط.

في هذا السياق، يتحوّل الشرق الأوسط إلى مسرح اختبار لإرادات متصادمة، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع معادلات الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والممرات الاستراتيجية.

بعد أن اقترب دونالد ترامب من إعلان نهاية الحرب على إيران، أو على الأقل الاكتفاء بسقف الضربات المباشرة، عاد بنيامين نتنياهو لجرّ الإدارة الأمريكية إلى أتون جولة جديدة، أكثر اتساعاً وخطورة، تحمل تداعيات تتجاوز الإقليم إلى بنية الأمن العالمي برمّتها عسكرياً واقتصادياً ونفطياً. نتنياهو، الذي يخوض حرباً بلا محددات، لا يريد لنار المواجهة أن تنطفئ، حتى لو تعارض ذلك مع الرؤية الأمريكية القائمة على إدارة الفوضى ضمن هوامش مضبوطة وخطوط حمراء مرنة.

لقد انتقل التصعيد إلى مستوى بالغ الخطورة، من خلال استهداف قمة الهرم القيادي الإيراني، بالتوازي مع ضربات طالت أحد أكبر حقول الغاز الطبيعي في إيران. هذا التحوّل ليس عشوائياً؛ بل يعكس إدراكاً عميقاً بأن استهداف البنية الطاقوية سيدفع طهران إلى ردٍّ نوعي، يفتح الباب أمام تحويل كامل جغرافيا الطاقة في المنطقة إلى أهداف مشروعة. وعند هذه النقطة، لن تبقى الحقول النفطية والغازية في الخليج أو شرق المتوسط بمنأى عن النيران، ما يعني عملياً إدخال السوق العالمية للطاقة في طور صدمة هيكلية غير مسبوقة.

اقتصادياً، فإن أي اضطراب واسع في إمدادات الطاقة خصوصاً في ممرات حيوية مثل مضيق هرمز سيؤدي إلى اختلال فوري في توازن العرض والطلب، مع قفزات حادة في أسعار النفط والغاز. وتشير النماذج الاقتصادية إلى أن إغلاقاً جزئياً فقط لهذا المضيق، الذي يمر عبره نحو ثلث تجارة النفط البحرية العالمية، كفيل بدفع الأسعار إلى مستويات قياسية، تتجاوز كل ما شهده العالم منذ أزمات السبعينيات. كما أن استهداف البنية التحتية للطاقة سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وتعطيل سلاسل الإمداد، ما ينعكس تضخماً عالمياً حاداً، وانكماشاً في اقتصادات كبرى، وفي مقدمتها الاقتصاد الأمريكي الذي، رغم كونه منتجاً رئيسياً، يبقى شديد الحساسية لتقلبات السوق العالمية.

أما على مستوى الجغرافيا السياسية، فإن ضرب حقول الطاقة لا يهدد فقط الإيرادات الوطنية للدول المنتجة، بل يعيد رسم خرائط النفوذ والسيطرة. فالممرات البحرية—من هرمز إلى باب المندب—ليست مجرد خطوط عبور، بل شرايين حياة للاقتصاد الدولي. وأي خلل فيها يفتح الباب أمام عسكرة التجارة العالمية، ويدفع القوى الكبرى إلى انخراط مباشر لحماية مصالحها، ما يرفع احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع متعددة الأطراف.

ضمن هذا المشهد، يبدو أن نتنياهو يراهن على استراتيجية “الحافة القصوى”: دفع إيران إلى ردود فعل واسعة تُلزم الولايات المتحدة وحلفاءها بالانخراط العميق في الحرب، بما يسرّع وفق تصوره تفكيك الدولة الإيرانية، ليس فقط كنظام سياسي، بل كبنية جيوسياسية متماسكة. والهدف الأبعد من ذلك يتمثل في خلق فراغ استراتيجي هائل، يُعاد ملؤه وفق ميزان قوى جديد يكرّس تفوق إسرائيل، ويفتح الباب أمام إعادة توزيع مقدرات المنطقة تحت ذرائع “الحماية” واحتواء الفوضى.

لكن هذا الرهان، رغم جرأته، ينطوي على مقامرة عالية الكلفة. فإيران، بحكم موقعها الجغرافي وقدراتها غير المتكافئة، تمتلك أدوات فعالة لتعطيل الممرات الحيوية واستهداف البنية الطاقوية، ما يجعل أي تصعيد مفتوحاً على سيناريوهات لا يمكن احتواؤها بسهولة. وهنا، يجد ترامب نفسه أمام مفترق حاسم: إما فرض إيقاع تهدئة يكبح اندفاعة نتنياهو، أو الانجرار إلى حرب متعددة الجبهات تفلت من السيطرة.

إن استمرار هذا المسار التصعيدي لن يقود إلى “نصر نظيف” لأي طرف، بل إلى انفجار منظومة الطاقة العالمية، وشلل الممرات البحرية، وارتداد اقتصادي عنيف يضرب قلب الاقتصاد الأمريكي قبل غيره. وأي عجز عن ضبط إيقاع الحرب اليوم، سيحوّلها غداً إلى أزمة كونية تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة. إن لم تُكبح هذه الاندفاعة فوراً، فإن المنطقة ومعها العالم مقبلة على حافة انهيار استراتيجي شامل، لن يكون في وسع أحد احتواء تداعياته أو إعادة عقارب ساعته إلى الوراء.

عباس المعلم - كاتب سياسي