تشير تقارير لموقع "أكسيوس" أنه وفي الثالث والعشرين من فبراير الماضي، أجرى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مكالمة مع الرئيس الأمريكي أبلغه فيها عن معلومة استخباراتية دقيقة وخطيرة، تضمنت موقعًا سيجتمع فيه المرشد الإيراني علي خامنئي وكبار مستشاريه صبيحة السبت 28 فبراير 2026. كانت هذه فرصة لأمريكا وإسرائيل لقطع رأس النظام الذي أرهقها في الشرق الأوسط. فبعد أن تأكدت المعلومة من طرف الاستخبارات الأمريكية، نُفذ الهجوم في اليوم نفسه، وتساقطت صواريخ باليستية إسرائيلية على مجمع القيادة في طهران، أسفرت عن مقتل رأس السلطة علي خامنئي، ثم تواصل نزيف الاغتيالات في صفوف القادة، ولعل أبرزهم رئيس مجلس الأمن القومي علي لاريجاني. لم تكن هذه العمليات مجرد تصفية جسدية لشخصيات بارزة، بل استراتيجية معقدة تجمع بين الرؤية الجيوسياسية والدقة التكتيكية بعيدة المدى.
تقوم الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية في تعاملها مع الأنظمة المعادية على ثلاث نظريات مترابطة:
أولًا: نظرية قطع الرؤوس، التي ترى أن الأنظمة السلطوية تعتمد على شخصيات مركزية بشكل مفرط، وإزالة هذه الشخصيات يؤدي إلى شلل وظيفي في آليات صنع القرار وفراغ هرمي ينشغل فيه المستوى الثاني بصراعات الخلافة بدلاً من إدارة الدولة. النظرية الثانية، تتمثل في استراتيجية الضربة الوقائية، وتهدف إلى تدمير قدرات العدو قبل اكتمالها، خاصة في الملفين النووي والصاروخي.
أما النظرية الثالثة، فتقوم على الفوضى الخلاقة، وتؤمن بأن زعزعة الاستقرار الداخلي للأنظمة المعادية يعجّل في سقوطها، وكسب ثقة شعوب هذه الأنظمة يبرر للتدخل الخارجي ويقدمه كعملية إنقاذ لهذه الشعوب وللحرية والديمقراطية.
وما ميز الاستراتيجية الحالية ضد إيران هو التطور في آليات التنفيذ. فعلى الصعيد الاستخباراتي، استطاعت إسرائيل مراقبة فرق حماية المرشد الأعلى واخترقت تقريبًا جميع كاميرات المرور في طهران واستخدمتها لتتبع نمط حياة الحراس الشخصيين للمرشد، وفق تقرير لصحيفة "فاينانشال تايمز". كما أفاد التقرير أن إسرائيل عطلت ما يقارب 12 برجًا للهواتف الجوالة في شارع باستور حيث تم الاجتماع صبيحة السبت، بهدف خداع أجهزة الاتصال فتظهر للمتصل وكأن الشبكة مشغولة، حتى لا تصل أي تحذيرات لفرق حراسة خامنئي. تظهر هذه العملية الاستخباراتية الإسرائيلية تطورًا خطيرًا في تقنيات التجسس والمراقبة يمكنها أن تطال حتى أكثر الشخصيات تأثيرًا وبروزًا. فلم يكن أحد ليتوقع، وخاصة الإيرانيين، مقتل المرشد الأعلى بهذه السهولة. ولم يظهر التفوق الاستخباراتي في اغتيال القادة الإيرانيين فحسب، بل ظهر قبل ذلك في حرب غزة حين تم اغتيال قادة بارزين في حركة حماس وحزب الله مثل يحيى السنوار وأبو عبيدة ونصر الله وإسماعيل هنية في داخل إيران، وهو ما يثبت أن إسرائيل تفوقت على إيران على المستوى الاستخباراتي.
أما على المستوى العسكري، فقد ظهر تنسيق ما بين تل أبيب وواشنطن في حربهما على طهران، إذ تقوم إسرائيل باستهداف دقيق للقيادات البارزة السياسية والعسكرية، ثم تتولى الولايات المتحدة تدمير القدرات الردعية الإيرانية من منشآت نووية وصاروخية كضربة وقائية تمنع أي رد عنيف بعد الاغتيالات. كما يتم التنسيق في الوقت نفسه عبر الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار، حيث تقوم الطائرات الأمريكية بتوجيه الهجمات الإسرائيلية وتقييم نتائجها.
يمكننا تلخيص الأهداف المعلنة للعملية الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران في: وقف البرنامج النووي الإيراني قبل بلوغ نقطة اللاعودة، وشل قدرة إيران على دعم أذرعها وإضعاف محور المقاومة، إلى جانب تمهيد الطريق أمام المعارضة الإيرانية لتغيير النظام الداخلي. غير أن هناك أهدافًا غير معلنة لا تقل أهمية، مثل: إعادة تشكيل التوازن الإقليمي لصالح إسرائيل، وتغيير النظام الإيراني بآخر موالٍ لواشنطن وتل أبيب، والسيطرة على النفط الإيراني ومضيق هرمز وبالتالي التحكم في الاقتصاد العالمي، إضافة إلى استعراض لقدرة التنسيق العسكري بين إسرائيل وأمريكا أمام القوى المنافسة وتوجيه رسائل ردع إليها بأن القدرات العسكرية الأمريكية لا تزال قوية ومهيمنة.
أما بالنسبة لتحقق هذه الأهداف من عدمها، فلا يزال غير معروف في ظل استمرار الحرب. غير أن الثابت حتى الآن أن تل أبيب وواشنطن تمكنتا عبر سلسلة الاغتيالات من خلق حالة من الارتباك داخل إيران. ففقدان شخصيات من حجم خامنئي وسلامي ولاريجاني في وقت قصير خلق فراغًا قياديًا واضحًا، وأظهر عمق الاختراق الأمني الإيراني، وهو ما يقوض هيبة النظام داخليًا. غير أن الإخفاق الحقيقي يكمن في عدم توقع رد إيران. فلئن كان قصف القواعد الأمريكية في دول الخليج خيارًا لا يمكن استبعاده في الحرب، إلا أن غلق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة الدولية لم يكن في حسابات واشنطن وتل أبيب، إذ لم يتخيلوا انصراف طهران للفعل بدلاً من اقتصارها على التهديد فحسب، وهو ما أوقع ترامب في وضع صعب دوليًا، فهو أقحم بلاده في حرب عارضها الكثيرون في الداخل، إلى جانب أضرارها بالاقتصاد العالمي مما تسبب في خسائر بمليارات الدولارات خاصة للدول المصدرة للنفط والغاز.
كما أن استراتيجية الاغتيال تحمل مخاطر تتمثل في صعود المتشددين للسلطة في طهران، ودفع إيران نحو الخيار النووي باعتباره السبيل الوحيد للردع وإيقاف نزيف القيادات، إضافة إلى قدرة إيران عبر وكلائها على التصعيد بشكل غير مسبوق وإدخال إسرائيل وأمريكا في حرب استنزاف إقليمية طويلة. لذلك، لا يمكننا أن نعتبر العملية الإسرائيلية الأمريكية عملية ناجحة بالفعل، وإن تمكنت من اغتيال الصفوف الأولى في إيران، لأن النظام الإيراني مرن في التعامل مع الاغتيالات ويوجد أكثر من بديل لكل منصب قيادي حتى منصب المرشد الأعلى، وهذه الحرب لا تزيدها إلا إصرارًا على المواصلة في برنامجها النووي. وفي المقابل، تكبدت كل من أمريكا وإسرائيل خسائر على المستوى العسكري والاقتصادي، وحتى وإن لم تعلن عن قيمة خسائرها، فلا شك بأن الحرب مكلفة خاصة إن كانت في أكثر من جبهة مع تعطيل إمدادات الطاقة.
في النهاية، تمثل استراتيجية إسرائيل وأمريكا ضد طهران نموذجًا متطورًا لحرب الاستخبارات وقطع رؤوس الأنظمة. غير أن دقة النجاح التكتيكي لا تعني الفوز، لأن إيران لا تزال دولة ذات عمق استراتيجي وبنية مؤسسية معقدة، واستراتيجية قطع الرؤوس غير كافية لإسقاط نظامها وإن أثرت فيه. ويبدو أن الحرب أشرفت على الانتهاء وسط ضغوطات دولية تطالب بإنهائها طالما أنها تؤثر على الاقتصاد العالمي. غير أن السؤال ليس في من يخرج منتصرًا، فكل الطرفين منتصر وخاسر في آن واحد. لكن السؤال الأهم: من سينهي هذه الحرب؟ نتنياهو أم ترامب؟.