في لحظة إقليمية تتكثف فيها الضغوط الأميركية والإسـرائيلية، وتتسع فيها محاولات إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية في لبنان والمنطقة، تبرز أهمية العودة إلى تجربة المـ.ـقاومة بوصفها تجربة تتجاوز بعدها العسـ.ـكر ي المباشر إلى بعدها الإدراكي والإستراتيجي والتاريخي. فإحياء ذكرى تحرير عام 2000 لا يكتسب راهنيته فقط من كونه محطة وطنية مفصلية، بل لأنه يعيد التذكير بحقيقة أساسية غالبًا ما تُحجب تحت ضجيج الحملات النفسية والسياسية وهي: أن الكثير مما يُطرحُ اليومَ باعتباره “وقائعَ نهائية” أو “معادلاتٍ غيرَ قابلةٍ للكسر”، سبق أن طُرح في مراحلَ سابقة، ثم سقط أمام فعل الصمود وتراكم الاستنزاف وفشل الاحتــلال، في فرض شروطه السياسية والأمنية.
ففي تسعينيات القرن الماضي، لم يكن الانسحاب الإسـ..ـرائيلي من جنوب لبنان يُقدَّم بوصفه احتمالًا واقعيًا، لا داخل إسـرائيل ولا في البيئة الدولية والإقليمية المحيطة بها؛ بل إن المنطق الإسـ..ـرائيلي كان يقوم على اعتبار الشريط المحتـ ـل جزءًا من أمن إسـرائيل ومستقبلها الإستراتيجي، وأنّ بقاء الاحتـ ـلال مسألة بنيوية لا ظرفية.
وفي تلك المرحلة أيضاً، جرى الترويجُ لفكرة أنَّ المـ.ـقاومةَ لا تملكَ توازن القوة، وأنَّ التفوُّقَ العسـ.ـكريَّ والتكنولوجيَّ الإسرائيلي كفيل بحسم أي مواجهة، وأنَّ استمرارَ العـمـلـياتِ لن يؤدِّيَ إلّا إلى مزيدٍ مِنَ التدمـ..ـيرِ والضغطِ على لبنان.
بل إن بنيامين نتنياهو نفسَهُ، خلالَ ولايتِه الأولى (1996-1999)، اشترطَ تفكيكَ سـ..ـلاحِ المـ.ـقاومةِ بوصفِهِ مَدخلاً لأيِّ تسويةٍ أو انسحاب. ومع ذلك، فإنَّ ما حسمَ المسارَ، في نهايةِ المطافِ، كانَ تراكمَ الخسائرِ في صفوفِ الجيشِ الإسرائيليِّ، واستمرارَ تدهورِ الوضعِ الأمنيِّ في المستو طنات، وانعكاسَ ذلكَ على مستوى الرأيِ العامِ الصهيوني، وتَشَكُّلَ تيارٍ سياسيٍّ صهيونيٍّ يدعو الى الانسحابِ الأحادي، ولو كان بلا اتفاق.
وكان كلُّ ذلك بفضل استمرارِ العــ..ــمـلـياتِ التي جعلتِ الاحتـ ـلالَ عِبئًا إستراتيجيًا متصاعدَ الكِلْفَةِ، وغيرَ قابلٍ لِلِاستقرار.
ومن هنا تكتسب المـ..ـواجهةُ الأخيرة أهميتَها التحليلية، إذ أسقطتْ مُجَدَّدًا الرِّهانَ الإسـ..ـرائيليَّ على انهيارِ حــ.ـزبِ اللهِ بِنْيَوِياً ومعنوياً، بفعلِ الضرباتِ والضغوط.
فما ظهرَ عملياً، كان عكسَ ذلك تماماً:
مـ.ـقاومةٌ لم تفقدْ تماسُكَها أو إرادتَها، بل بقيتْ قادرةً على إدارةِ المـ..ـواجهة، وإعادةِ تنظيمِ أدائها، والاستمرارِ تحتَ الضغط.
وهذهِ النقطةُ شديدةُ الأهمية، لأنَّ الصراعَ معَ إسـ..ـرائيل ليس صراعَ نارٍ فقط، بل هو صراعُ صورةٍ وإدراكٍ ومعنىً سياسيّ. من يبدو ثابتًا؟ من يبدو قادرًا على الاستمرار؟ ومن يفرُضُ نفسَهُ طَرَفًا فاعِلًا لا يمكن تجاوزُهُ، رغمَ كل ِّمحاولاتِ العزلِ والاستنزاف؟ وفي هذا المستوى تحديدًا، نجحتِ المـ.ـقاومةُ في منع ِ “الهـ..ـزيمةِ” ،فضلاً عن تكريسِها كحقيقةٍ نهائية، وأعادتْ تثبيتَ نفسِها قوةً ما تزالُ حاضرةً في المعادلةِ اللبنانيةِ والإقليمية.
كذلك، فإن أحد أهم الإنجازات التي كشفتها المـ..ـواجهةُ تَمَثَّلَ في إثباتِ أنَّ بِنْيَةَ المـُ.ـقاومةِ عصِيَّةُ على الهزيمَةِ، لأنَّها تمتلكُ قابليةً عاليةً لِلتكيُّفِ وإعادةِ الترميم. فالهـ..ـزيمةُ الإستراتيجيةُ لا تُقاسُ فقطْ بحجمِ الخسائر، بل بانكسارِ الإرادةِ وفقدانِ القدرةِ على التعافي والتعلُّم.
وقد ظهرَ خلالَ الأشهرِ الماضيةِ أنَّ الحــ.ـزبَ تعاملَ معَ الحربِ بوصفِها عـ.ــمليةَ تراكُمِ خِبْراتٍ وتكيّفاً مستمراً، لا بوصفِها لحظةَ استنزافٍ نهائية. وهذا بحدِّ ذاتِهِ يُمَثِّلُ إخفاقاً لِأَحَدِ الأهدافِ الإسـ..ـرائيليةِ المركزية، المُتمثِّل ِ في دفعِ الخصمِ إلى حالةِ إنهاكٍ دائمٍ وشللٍ غيرِ قابلٍ للاستعادة.
لكنَّ الوقائعَ أظهرتْ أنَّ المـ.ـقاومةَ ما تزالُ تَمْلُكُ بِنْيَةً تنظيميةً وعقائديةً وعسـ.ـكر يةً قادرةً على امتصاصِ الضرباتِ وإعادةِ إنتاج ِ الفاعلية.
وفي السياقِ نفِسه، أعادتِ المـ..ـواجهةُ تثبيتَ المـ.ـقاومةِ كعامل ِ دفاعٍ حقيقيٍّ في الحساباتِ الإسـ..ـرائيليةِ والإقليمية.
فإسـ..ـرائيلُ، رغمَ تَفَوُّقِها العسـ.ـكريِّ والتكنولوجيِّ الهائل، ما تزالُ مُضْطَرَّةً للتعامُل ِ معَ حــ.ـزبِ الله بِوَصْفِهِ تهديداً فعلياً لا يُمكِنُ شَطْبُهُ أو تجاوُزُهُ بسهولة.
وهذهِ المسألةُ تتجاوَزُ بُعْدَها العسـ.ـكرِيَّ المباشرَ، لأنها تعني أنَّ الحربَ لم تنجحْ في تحويلِ الحــ.ـزبِ إلى عِبْءٍ منزوعِ التأثيرِ، كما كانَ يُرادُ له؛ بل إنَّ استمرارَهُ قادراً على الفعل، وعلى فرضِ حضورِهِ في الحساباتِ الإسـ..ـرائيلية، أعادَ تثبيتَ حقيقةِ أنَّ الجبهةَ اللبنانيةَ لا تزالُ محكومةً بمنطق ِ الرَّدْع ِ المُتَبادَل، لا بِمَنْطِقِ الهيمنةِ الإسـ..ـرائيليةِ المطلقة.
ومن الإنجازات المهمة أيضاً، أنَّ المـ.ـقاومةَ نجحتْ في إدارةِ الزَّمَنِ بوصفه جزءاً مِنْ أدواتِ القوةِ نفسِها. فقد جرى لفتراتٍ طويلةٍ تفسيرُ امتناع ِ الحــ.ـزبِ عن ردودٍ مباشرةٍ أو واسعةٍ باعتبارِهِ دليلَ ضعفٍ أو تراجُع.
لكنَّ ما ظهرَ لاحاً أعادَ تفكيكَ هذا التفسير، وأوحى بأنَّ إدارةَ التوقيتِ كانتْ جزءاً من حساباتٍ أوسعَ تَتَّصِلُ بالإيقاع ِ السياسيِّ والعسـ.ـكرِيِّ والإقليميّ. وهذِهِ نقطةٌ مركزيةٌ في فهمِ طبيعةِ الصراع، لأنَّ القوَّةَ لا تُقاسُ فقطْ بِسُرْعَةِ الرَّدِّ، بُلْ بالقدرةِ على اختيارِ اللحظةِ المناسِبة، والتَّحَكُّمِ بوتيرةِ التصــعيد، ومَنْع ِ الخَصْمِ من فرضِ تَوْقِيتِهِ ومعادَلَتِهِ النَّفْسِيَّة.
أما الإنجاز الأعمقُ، فتَمَثَّلَ في إسقاطِ الرِّهانِ الإسـ..ـرائيليِّ التاريخيِّ على إمكانيةِ إنتاجِ احتـ ـلالٍ مُستقرٍّ وآمِن ٍ أو بيئةٍ قادرةٍ على التكيُّفِ معَ الاستنزافِ طويلِ الأمَد. فكما بدَّدَتْ مـ.ـقاومةُ التسعينياتِ فكرةَ أنَّ الاحتـِ ـلالَ يُمْكِنُ أنْ يتحوَّلَ إلى واقٍع ٍدائمٍ مقبول، فإن المـ..ـواجهةَ الحاليةَ أعادتِ التَّأْكيدَ أنَّ الضغوطَ العسـ.ـكر يةَ والأمنية، مهما بلغت، لا تُؤَدِّي تلقائيًا إلى إخضاع ِ البيئةِ الحاضنةِ، أو كَسْرِ الإرادةِ السياسيةِ والتنظيميةِ لِلمـُ.ـقاومة. بل إن التجربةَ أظهرت مُجَدَّداً أنَّ تراكُمَ الكلفةِ، مع الزمن، يبقى عاملًا حاسماً في إعادةِ تشكيلِ الحساباتِ الإسـ..ـرائيلية، تماماً كما حدثَ قبلَ اندحارِ عامِ 2000.
وفي العمق، فإنَّ ما تحقَّقَ حتى الآن، لا يعني أنَّ المعركةَ انتهتْ أو أنَّ الطريقَ باتَ خالياً مِنَ التحدِّيات، بل يعني أنَّ المـ.ـقاومةَ نجحت في منع الحرِب من تحقيقِ أهدافِها السياسيةِ والإدراكِيَّةِ الكاملة، وأعادتْ تثبيتَ نفسِها طرفًا فاعلًا لا يُمْكِنُ تَجاوُزُه ُأو شَطْبُهُ مِنَ المُعادلة. وهذا بحدِّ ذاتِهِ يُشَكِّلُ تَحَوُّلاً إستراتيجياً مُهِمّاً، لأنَّ إسـ..ـرائيلَ كانتْ تَسعى إلى إنتاجِ لحظةِ انهيارٍ نَفْسِيٍّ وسِياسِيٍّ تُؤَسِّسُ لِمَرْحَلَةٍ جديدةٍ في لبنانَ والمنطقة، لكنَّ ما حدث فِعْلِيِّاً كان إعادةَ إنتاجِ معادلةٍ أكثرَ تعقيداً تقومُ على استمرارِ القدرةِ على الفعلِ والتكيُّفِ والرَّدع.
ومن هنا، تبدو آفاق المرحلة المقبلة مرتبطة إلى حد كبير بعاملَيْنِ مُتَداخِلَيْن ِ:
الأولُ هو استمرارُ تراكُمِ الكلفةِ على إســرائيلَ في أيِّ مسارٍ اسْتِنْزافِيّ، سواءً أمنيّاً أو اقتصادِيّاً أو نفسِيّاً أو على مستوى الِاستِقرارِ الدَّاخِلي؛ ومن أهمِّ المُسْتَجِدّاتِ الّتي أرْسَتْها المـ.ـقاومةُ في هذا الِاتِّجاه، أنَّ ما كانتْ تحتاجُ إلى سنواتٍ من أجل ِ تحقيقِهِ على مُستوى التأثيرِ السِّياسِيِّ والشَّعبِيِّ والأمْنِيِّ لِعـَـ..ــمَـلِـيّاتِ المـ.ـقاومةِ في الجيشِ والرأيِ العامِ والـقيـادةِ السياسيةِ بَلَغَتْهُ المُـقاومةُ في أقلِّ من ثلاثةِ أشهر.
والثاني هو استمرارُ الدعمِ الإيرانيِّ بِمفاعيلِهِ العسـ.ـكريةِ والسياسيةِ واللوجستيةِ والإقليمية، الأَمْرُ الذي يُشَكِّلُ عَامِلَ ضغطٍ إقليميٍّ غيرِ مسبوقٍ يُسْهِمُ في تقليصِ المدةِ الزمنيةِ لِلِاحْتِـ ـلالِ عبرَ ربطِهِ بأيِّ اتِّفاق ٍ أميركيٍّ إيراني، وبِما يَمْنَحُ المـ.ـقاومةَ قدرةً إضافيةً على إعادةِ الترميمِ، وتعزيزِ عناصرِ القوة.
وفي ضَوْءِ ذٰلِكَ، فإنَّ اِحتِمالاتِ نجاحِ المـ.ـقاومةِ في الحِفاظِ على مَوْقِعِها وتحقيق ِ جزءٍ أساسٍ مِنْ أَهدافِها تبدو مُرَجَّحَةً، ليسَ لِأَنَّ مِيزانَ القِوى أصبحَ مُتَكافِئاً، بصورةٍ مُطْلَقَة، بَلْ لِأَنَّ التجربةَ التاريخيةَ لِلصِّراع ِ أظهرتْ أنَّ القُدْرَةَ على الصمودِ والتَّكيُّفِ ومَنْع ِ الخَصْمِ مِنْ تَحْقِيقِ أهدافِهِ الكاملةِ قد تكونُ، في حروبِ الِاسْتِنْزافِ الطويلة، أكثرَ حَسْماً منَ التَّفَوُّق ِ العسـ.ـكريِّ المجرَّدِ نفسِه.