حين يتحول الأسر إلى حكم بالموت: قانون الإعدام وارتدادات الرعب المركب
مقالات
حين يتحول الأسر إلى حكم بالموت: قانون الإعدام وارتدادات الرعب المركب
د. رائد ناجي
31 آذار 2026 , 06:02 ص


د. رائد ناجي

في لحظة سياسية متوترة، لا يبدو إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين مجرد تعديل تشريعي عابر، بل انعطافة حادة في بنية الصراع، حيث ينتقل الاحتلال من إدارة السيطرة إلى إعادة تعريف أدواتها على نحو أكثر عنفا وجذرية. فالقانون، في جوهره، لا يعكس فقط رغبة في الردع، بل يكشف عن أزمة عميقة في وعي القوة، حين تعجز عن إخضاع الإرادة، فتلوذ بإقصاء الجسد نهائيا.

على مستوى الأسرى، يفرض هذا القانون واقعا نفسيا بالغ القسوة. لم يعد الأسر مجرد حالة احتجاز ضمن أفق زمني مفتوح، بل تحول إلى فضاء مهدد بالمحو. هنا، يتبدل معنى الزمن داخل الزنازين؛ من انتظار مشروط بالأمل، إلى ترقب مثقل بالاحتمال الأكثر سوداوية. تتآكل الحدود بين الحياة والموت، ويغدو كل يوم امتدادا لهامش وجودي هش. غير أن التجربة الفلسطينية، بتاريخها الطويل في مواجهة القمع، تكشف عن مفارقة عميقة: إذ لا ينكسر الوعي تحت وطأة التهديد، بل يعيد تشكيل ذاته. يتحول الخوف إلى مادة للصمود، ويغدو التهديد ذاته محفزا لإعادة تعريف الكرامة، لا باعتبارها حالة محفوظة، بل خيارا واعيا في مواجهة الفناء.

أما على مستوى المجتمع الفلسطيني، فإن القانون لا يعمل في فراغ، بل يتغلغل في النسيج الجمعي، مولدا حالة مركبة من الغضب والتماسك في آن واحد. فالأسرى، بوصفهم رمزا مركزيا في الوعي الوطني، يشكلون نقطة التقاء بين مختلف التيارات والاتجاهات. ومع تصاعد التهديد بحقهم، تتكثف هذه الرمزية، وتتحول إلى عامل تعبئة جماهيرية. غير أن هذا التصعيد لا يخلو من آثار خطرة؛ إذ يرفع منسوب التوتر إلى مستويات غير مسبوقة، ويجعل كل عملية اعتقال محتملة شرارة لصدام أوسع. وهنا، يعاد تشكيل منطق الفعل المقاوم، حيث لم يعد محكوما فقط بحسابات الربح والخسارة التقليدية، بل بإدراك أن البديل قد يكون الإعدام، لا السجن.

في المقابل، يحمل القانون في طياته ارتدادات معقدة على الاحتلال نفسه. فحين تقر سلطة ما تشريع الإعدام في سياق سياسي نزاعي، فإنها لا تعزز بالضرورة هيبتها، بل قد تكشف عن هشاشتها. إذ إن اللجوء إلى أقصى أدوات العنف غالبا ما يكون تعبيرا عن فشل الأدوات الأقل قسوة. ومن هنا، يتولد تناقض صارخ بين الخطاب الذي يسوقه الاحتلال عن كونه كيانا قانونيا حديثا، وبين ممارسات تنزلق نحو منطق العقاب المطلق. هذا التناقض لا يبقى حبيس الداخل، بل يمتد إلى الساحة الدولية، حيث تتزايد الضغوط الحقوقية، وتتآكل شرعية الخطاب الرسمي.

إلى جانب ذلك، فإن القانون قد يفضي إلى نتائج عكسية على مستوى الردع ذاته. فبدلا من كبح الفعل المقاوم، قد يسهم في إعادة إنتاجه بأشكال أكثر راديكالية. حين يدرك الفاعل أن المصير المحتمل هو الإعدام، فإن الفارق بين الحياة والموت يتقلص، وتصبح المخاطرة جزءا طبيعيا من المعادلة. بهذا المعنى، يتحول القانون من أداة للسيطرة إلى عامل لتسريع الانفجار، حيث تتداخل الحسابات النفسية مع المعطيات الميدانية في إنتاج واقع أكثر تعقيدا.

ولا يمكن إغفال البعد القانوني في هذا السياق، إذ يثير إقرار مثل هذا القانون أسئلة جوهرية حول مدى انسجامه مع قواعد القانون الدولي الإنساني. فالأسرى، بوصفهم أشخاصا واقعين تحت سلطة قوة احتلال، يتمتعون بحماية خاصة، وأي مساس بحقهم في الحياة يضع المنظومة القانونية للاحتلال تحت مجهر المساءلة. وهنا، لا يتعلق الأمر فقط بإدانة أخلاقية، بل بإشكال قانوني قد تتراكم آثاره على المدى البعيد.

في المحصلة، لا يبدو قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين مجرد أداة ردع، بل مقامرة استراتيجية تنطوي على قدر كبير من المخاطر. فهو، من جهة، يعمق معاناة الأسرى ويضاعف العبء النفسي عليهم، ومن جهة ثانية، يعيد تشكيل المزاج الفلسطيني نحو مزيد من التصلب والتحدي، وفي الوقت ذاته، يكشف عن تناقضات بنيوية داخل منظومة الاحتلال. وبين هذه المستويات كلها، يتضح أن القانون، بدلا من أن يطوي صفحة من الصراع، قد يفتح فصولا أكثر قتامة، حيث يصبح الموت نفسه جزءا من معادلة الصمود، لا نهايتها.

*رائد ناجي*