د. مهدي مبارك عبد الله
تشكل الهدنة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران محطة مفصلية في مسار التصعيد الإقليمي والتي جاءت بوساطة باكستانية في توقيت بالغ الحساسية سبق مباشرة موجة التهديدات الحادة التي أطلقها الرئيس الامريكي دونالد ترامب في تحذيره النهائي بتدمير البنية التحتية الإيرانية واستهداف محطات الكهرباء والوقود وإعادة البلاد إلى ما يشبه العصر الحجري
العالم بأسره حبس أنفاسه مترقبا ما ستسفر عنه ليلة الثلاثاء الماضية وسط مخاوف حقيقية من انزلاق الأوضاع إلى مواجهة شاملة يستيقظ عليها الجميع على وقع تنفيذ تلك التهديدات غير أن الإعلان المفاجئ عن تعليق العمليات العسكرية لمدة أسبوعين فتح نافذة ضيقة لاحتواء التصعيد ومنح الدبلوماسية فرصة أخيرة لتفادي الانفجار الكبير ووضع أسس أولية لمسار تفاوضي محتمل في إسلام آباد وفق مقترحات إيرانية تسعى إلى تثبيت تهدئة شاملة تتجاوز حدود الاشتباك المباشر
الاتفاق لم يكن وليد لحظة عابرة بل جاء نتيجة توازن دقيق بين الضغط العسكري والحسابات السياسية حيث سعت واشنطن إلى احتواء التصعيد وتفادي انزلاق شامل بينما حاولت طهران استثمار أوراقها الإقليمية لفرض معادلة تهدئة مترابطة تشمل مختلف الجبهات وفي مقدمتها الساحة اللبنانية باعتبارها جزءا من وحدة الاشتباك في المنطقة
العقدة الأساسية في بنود الاتفاق تجلت في اصرار إيران على إدراج جبهة لبنان ضمن أي اتفاق لوقف إطلاق النار في حين ترفض إسرائيل ذلك بشكل واضح باستمرار القصف والاغتيالات في الجنوب اللبناني حيث يرى نتنياهو أن القبول بتهدئة في الشمال دون تحييد خطر حزب الله يمثل مجازفة أمنية كبيرة لا يمكن تحملها في ظل استمرار التهديد على البلدات الحدودية
هذا التباين لا يعكس خلافا عابرا بل يكشف عن فجوة في الرؤية الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب فالإدارة الأمريكية تنظر إلى الاتفاق كوسيلة لضبط الإيقاع ومنع توسع الحرب بينما ترى إسرائيل أن أي تهدئة غير مشروطة قد تمنح خصومها فرصة لإعادة التموضع والاستعداد لجولات قادمة
في الداخل الإسرائيلي تصاعدت الاعتراضات الصاخبة خصوصا في مناطق الشمال حيث يشعر السكان أن أي اتفاق لا ينهي خطر حزب الله بشكل فعلي هو اتفاق هش ومرفوض لانه لا يحقق الأمن المطلوب وقد برزت هذه المخاوف في مواقف رافضة لوقف إطلاق النار قبل ضمان عودة الاستقرار الكامل إلى حياتهم اليومية
ترامب من جهته يبدو وكأنه يدفع نتنياهو نحو هذا الاتفاق رغما عنه مستندا إلى تقدير أمريكي بأن الحرب حققت أهدافها الأساسية وأن استمرارها قد يفتح أبواب مواجهة إقليمية أوسع تهدد المصالح الأمريكية خاصة في الخليج حيث القواعد العسكرية والممرات الحيوية للطاقة وإذا ما نجح دونالد ترامب في فرض شمول جبهة لبنان ضمن الاتفاق فإن ذلك سيضع نتنياهو أمام اختبار صعب بين الالتزام بالحليف الأمريكي أو الاستجابة للضغوط الداخلية التي تطالب باستمرار العمليات حتى إزالة التهديد بشكل نهائي وهو ما قد ينعكس على استقرار حكومته ويعمق الانقسام داخل مؤسسات القرار
الكثيرون يتسألون حول قدرة واشنطن على إلزام إسرائيل بتنفيذ هذا المسار والتي تظل مرتبطة بحجم النفوذ السياسي والعسكري الذي تمارسه الولايات المتحدة غير أن التجارب السابقة تشير إلى أن إسرائيل قد تلجأ إلى تنفيذ انتقائي للاتفاقات الأمنية خاصة فيما يتعلق بوقف الاغتيالات أو الضربات الاستباقية وهو ما يجعل الالتزام الكامل موضع شك وفي حال فرض الاتفاق بصيغته الشاملة فإن السيناريو الأقرب يتمثل في هدوء حذر تتوقف فيه العمليات الواسعة مع بقاء احتمالات الخروقات المحدودة خصوصا في مناطق الاحتكاك ما يجعل الاتفاق بطبيعته هشا وقابلا للاهتزاز عند أي تطور ميداني مفاجئ
أما عن مدى صمود الاتفاق فإنه يتوقف على قدرة الأطراف على ضبط سلوك القوى المرتبطة بها إقليميا وعلى وجود ضمانات واضحة وآليات رقابة فعالة وفي غياب ذلك فإن الاتفاق قد يتآكل تدريجيا حتى وإن لم ينهَار بشكل مباشر والأسبوعان اللذان حددهما ترامب يمثلان في جوهرهما فترة اختبار لقياس جدية الأطراف فإذا نجحت التهدئة قد يتم البناء عليها للانتقال إلى ترتيبات أوسع تشمل ملفات إقليمية أخرى أما إذا فشلت فإن التصعيد سيعود بوتيرة أسرع وربما أكثر اتساعا
دور اليمن في المعادلة يظل عنصرا مؤثرا في هذه المعادلة إذ إن التهدئة مع إيران غالبا ما تنعكس على سلوك القوى المتحالفة معها وفي حال الالتزام بالاتفاق قد تتراجع الهجمات الصاروخية من قبل الحوثيين أو تتوقف مؤقتا ضمن مناخ التهدئة العام ولكن في حال خرق الاتفاق وخاصة إذا كان الخرق كبيرا أو موجها ضد أطراف المحور فإن احتمالات عودة الصواريخ الحوثية تبقى قائمة ما يعيد فتح جبهة ضغط جديدة على المصالح الأمريكية وخطوط الملاحة ويعيد توسيع رقعة المواجهة
الوساطة الباكستانية لم تكن مجرد دور تقني بل مثلت محاولة لإعادة ضبط إيقاع الصراع عبر إدخال طرف ثالث قادر على التواصل مع جميع الأطراف وهو ما أعطى الاتفاق بعدا دوليا وأضفى عليه طابعا مؤقتا لكنه قابل للتطوير إذا ما التزمت الأطراف بشروطه غير أن الغموض الذي يكتنف آليات تنفيذ الهدنة وشروطها المتبادلة خصوصا ما يتعلق بفتح مضيق هرمز ووقف الهجمات يطرح تساؤلات جدية حول مدى صمود الاتفاق في ظل استمرار الضربات والتوترات الميدانية في أكثر من ساحة
اللافت تصاعد الاصوات داخل الأوساط المؤيدة لنتنياهو بتوجيه الشكوك الواضحة حول الدور الباكستاني في رعاية هذا الاتفاق حيث يُنظر إلى إسلام آباد بوصفها طرفا غير محايد يميل باتجاه طهران بحكم كونها دولة إسلامية نووية تحتفظ بعلاقات وثيقة مع إيران وتصفها في خطابها الرسمي بالدولة الشقيقة وانها عدو للهند صديقة تل ابيب وهو ما يثير تساؤلات إسرائيلية حول طبيعة الضمانات التي يمكن أن تقدمها مثل هذه الوساطة وما يعزز القناعة لدى هذه الأوساط بأن الحرب لم تحقق أهدافها الأساسية حتى الآن سواء فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني أو منظومة الصواريخ أو حتى الرهان على إحداث تغيير داخلي عبر يدفع الشارع الإيراني نحو انتفاضة تفضي إلى إضعاف او اسقاط النظام من الداخل الأمر الذي يجعل القبول باتفاق تهدئة في هذه المرحلة يبدو في نظرهم تنازلا مبكرا لا يتناسب مع حجم التحديات القائمة
في الخاتمة : يبدو أن ترامب يسعى إلى فرض معادلة تهدئة مدروسة تحقق له مكسبا سياسيا بينما يجد نتنياهو نفسه أمام خيارات ضيقة بين القبول باتفاق لا ينسجم مع حساباته أو المخاطرة بتوسيع الحرب وفي كلا الحالتين فإن أي عبث بهذا الاتفاق أو محاولة لإفشاله لن تعيد الأمور إلى نقطة الصفر بل سيدفع المنطقة نحو مرحلة جديدة أشد خطورة حيث قد تعود نيران القصف إلى داخل إسرائيل بشكل أوسع وتمتد الضربات إلى القواعد والمصالح الأمريكية في الخليج والمنطقة وهو ما يجعل الحفاظ على هذا الاتفاق ضرورة استراتيجية لتجنب انفجار إقليمي يصعب احتواؤه لاحقا وهو ما يجعل الاتفاق أقرب إلى هدنة قسرية منه إلى تسوية مستقرة
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية