آية مصدق
في مشهد سياسي غير مسبوق، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأربعاء، الثامن من أبريل الجاري، موافقته على وقف إطلاق النار مع إيران لمدة أسبوعين، وذلك قبل أقل من ساعتين من الموعد الذي حدده «لتدمير حضارة إيران بأكملها». ولا يمكننا فهم هذا التغيير المفاجئ بمعزل عن الضغوط التي مارستها جهات داخلية وخارجية لدفع ترامب إلى الجلوس على طاولة التفاوض، والتراجع عن وعيده، وعدم الانزلاق إلى نقطة اللاعودة. وجاء القرار بعد جهود دبلوماسية قام بها رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف ورئيس أركان الجيش الباكستاني عاصم منير، اللذين طلبا من ترامب -وفقاً لتصريحه- التوقف عن إرسال «القوة المدمرة » إلى إيران، واقترحا بديلاً تمثل في تعليق الأعمال العسكرية لمدة أسبوعين، على أن تعيد إيران خلال هذه المدة فتح مضيق هرمز.
أما من الجانب الإيراني، فلم تتنازل إيران عن سيطرتها على المضيق، إذ تحدث وزير الخارجية عباس عراقجي عن «العبور بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية ومراعاة القيود الفنية»، مما يعبر عن استمرار سيطرة طهران على المضيق. ووافقت فقط على تسهيل العبور كإجراء أمني يفرضه قرار وقف إطلاق النار، بينما ستحصل الولايات المتحدة على حق عبور سفنها بأمان، لكنها لم تحصل على إدارة المضيق أو إنهاء السيطرة الإيرانية عليه.
هل تحققت أهداف الحرب؟
صرح ترامب بأن السبب خلف القبول باقتراح وقف إطلاق النار هو تحقيق جميع الأهداف العسكرية بل وتجاوزها، وهو تبرير سياسي عسكري، لكنه يُقرأ أيضاً كاعتراف ضمني بعدم القدرة على الاستمرار في هذه الحرب، خاصة في ظل المعطيات الميدانية التي تحدثت عن إسقاط طائرات أمريكية متطورة من طراز F-35 وF-15، وفشل واشنطن في فرض سيطرتها على مضيق هرمز وخفض أسعار النفط، إلى جانب عدم القدرة على إسقاط النظام رغم عمليات الاغتيالات التي طالت حتى المرشد الأعلى السابق. وإذا وضعنا هذه المعطيات إلى جانب تراجع ترامب عن تهديده بتدمير الحضارة الإيرانية، يصبح الحديث عن تحقيق الأهداف العسكرية من الحرب غير منطقي، ويفسر في الوقت نفسه لماذا وصفت طهران هذا الاتفاق بـ«النصر التاريخي والعظيم».
الموقف الإسرائيلي
خرج بنيامين نتنياهو في أول تصريح له بعد الاتفاق ليعلن دعم إسرائيل لقرار ترامب بتعليق العمليات العسكرية ضد إيران، موضحاً أن وقف إطلاق النار لا يشمل لبنان. وهذا الاستثناء يحمل أبعاداً استراتيجية خطيرة، تتمثل في مواصلة الهجمات الإسرائيلية ضد حزب الله بينما تتوقف على الجبهة الإيرانية، أي أن إسرائيل تريد الاستمرار في الحرب مع التركيز على جبهة واحدة عوض الاستنزاف من عدة جبهات، بهدف إضعاف أقوى أذرع إيران في المنطقة لضمان أمنها. وإذا نجحت في القضاء على حزب الله، قد تعود المنطقة إلى الصراع من جديد، وستصبح إيران في موقع أضعف مما كانت عليه قبل الاتفاق. مع ترقب إسرائيلي حذر لما ستؤول إليه المفاوضات بين واشنطن وطهران يوم الجمعة المقبل في باكستان.
انطلاق المفاوضات في باكستان
وفقاً للمعلومات المتاحة، ستنطلق يوم الجمعة المقبل في إسلام آباد أول مفاوضات مباشرة تجمع بين واشنطن وطهران منذ بدء الحرب، وهو ما يعني أن الطرفين انتقلا من لغة السلاح إلى لغة الحوار، وهو ما يُحسب لهما على المستوى الدولي، خاصةً باكستان التي نجحت بفضل علاقاتها الجيدة مع الطرفين في تجنب اشتعال المنطقة أكثر. لكن ما سيجري على طاولة المفاوضات هو ما سيحدد مستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية لسنوات قادمة، وربما سيغير الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط، خاصة وأن الولايات المتحدة اعترفت بقوة إيران وامتلاكها آلية ردع تتمثل التحكم في شرايين الاقتصاد العالمي من هرمز إلى باب المندب.
وقد تقدمت إيران بعشرة بنود كأساس للتفاوض، أبرزها: وقف الحرب بشكل كامل في كل الجبهات وضد عناصر محور المقاومة بما في ذلك لبنان (وهو ما سيصطدم برغبة إسرائيل في مواصلة الحرب ضد حزب الله)، إلى جانب انسحاب القوات الأمريكية من جميع القواعد في المنطقة، والمرور عبر المضيق بالتنسيق مع القوات الإيرانية، ورفع كل العقوبات، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، إضافة إلى دفع التعويضات لإيران. وقبلت الولايات المتحدة بهذه الشروط كأساس للتفاوض، ما يعني أن طهران نجحت في فرض أجندتها التفاوضية على الطاولة، مما جعل واشنطن ليست في موقف من يفرض شروطه، بل في موقع من يتفاوض على شروط خصمه. ولا يزال مبكراً التحدث عن نجاح أو فشل عملية التفاوض، خاصة مع عدم الثقة بين طرفي التفاوض، وهو ما صرح به مجلس الأمن القومي الإيراني حين أعلن عن تاريخ ومكان المفاوضات، مؤكداً غياباً تاماً للثقة بالجانب الأمريكي.
ثالثاً: من المنتصر؟ قراءة في أهداف الحرب وميزان القوى الجديد
يظل السؤال الوحيد عقب انتهاء كل حرب: من المنتصر؟ تختلف شروط النصر بين طرف وآخر، فالقوى العظمى تقيس نصرها بمدى تحقق أهدافها بأقل الخسائر، أما الدول الأقل قوة فتقيس انتصارها بقدرتها على الصمود وجعل الخصم يتكبد خسائر لم يكن يتوقعها. وهذا ما ينطبق على الحليفين إسرائيل وأمريكا من جهة، وإيران من جهة أخرى. ورغم أن الجميع يعتبر تل أبيب هي التي جرت واشنطن إلى الحرب، إلا أنه يُنظر إلى هذه الحرب بوصفها واقعة بين واشنطن وطهران كعنوان رئيسي، وبين تل أبيب ومحاور المقاومة كعنوان فرعي، خاصة بعد عملية إسقاط الطائرات الأمريكية وإغلاق مضيق هرمز الذي تسبب في كارثة اقتصادية، كانت الولايات المتحدة هي أول من وُجهت إليه أصابع الاتهام كسبب رئيسي في الأزمة.
من منظور واشنطن يدعي ترامب النصر بتصريحه عن تحقيق الأهداف العسكرية بل وتجاوزها، إلى جانب موافقة إيران على فتح المضيق أمام الملاحة والجلوس على طاولة التفاوض. ولا يمكن اعتبار فتح المضيق من أهداف الحرب المعلنة، وإنما كان هدفاً طارئاً. أما بالنسبة للأهداف العسكرية، فيبدو أن الولايات المتحدة نجحت في استهداف مواقع حساسة في العمق الإيراني. لكن إن تحققت بنود التفاوض، سيُقدم تعويضات لإيران، وترفع العقوبات عنها، وتسترد أصولها المجمدة، إلى جانب الرسوم التي ستأخذها من الملاحة في مضيق هرمز، مما يعني إعادة إعمار إيران في سنوات قليلة. ويمكننا القول إن الولايات المتحدة فشلت في تحقيق أهدافها الكبرى: تغيير النظام، تدمير القدرات الصاروخية، الاستحواذ على النفط، أو السيطرة على ممرات التجارة. كل هذه أهداف لم تتحقق بسبب سوء تقدير وثقة عالية أنتجتها التجربة الفنزويلية، متناسية أن إيران قوة إقليمية ذات موقع استراتيجي سمح لها بإدخال العالم في أزمة اقتصادية في أسابيع معدودة.
أما من منظور طهران يختلف مقياس النصر، فهي تعلم أنها غير قادرة على إلحاق هزيمة عسكرية بقوة عظمى، غير أن الصمود في وجهها هو انتصار بحد ذاته. استطاعت إيران استنزاف إسرائيل عبر وكلائها، واستهدفت القواعد الأمريكية في الجوار، ثم استخدمت الورقة الاقتصادية لحصار واشنطن وتل أبيب بالضغط الدولي لإنهاء الحرب من أجل حماية الاقتصاد العالمي. لقد أظهرت إيران ذكاءً استراتيجياً من خلال ورقة هرمز: مؤكدة أن الجغرافيا هي الحليف الأقوى، فموقعها مكنها من السيطرة على أهم الممرات المائية. ورغم هذا التفوق، لا يمكن الجزم بانتصار حاسم لطهران، إذ أن المفاوضات هي التي ستقرر المنتصر الحقيقي.
في الختام غيرت هذه الحرب قواعد الصراع التقليدية التي تقوم على تفوق من يملك أكبر ترسانة أسلحة، وأسست لمنطق التفوق الجغرافي والخنق الذكي لطرق الإمدادات. فالأقوى اليوم هو من يتحكم في الممرات والطرق الاستراتيجية، تماماً كما كان الحال قبل آلاف السنين عندما كان قراصنة البحار وحراس الطرق هم المتحكمين في شرايين التجارة. ومهما تغيرت الحضارة البشرية وتطورت، يظل جوهر الإنسان واحداً.