عبد الحميد كناكري خوجة: براعة البراءة... وبطولة الطفولة.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: براعة البراءة... وبطولة الطفولة.

” الواحد من جوان يوم الطفولة العالمي"

”حين تنجب الطفولة بطولة... براعة البراءة"

” نستحضر في هذه المناسبة، وفي هذا اليوم بالذات ونذكر العالم، بصرخة البراءة المذبوحة التي اعتلت سماء ميناب في الجنوب الإيراني حين تحولت مقاعد الدراسة إلى ذاكرة رماد، وسقطت أحلام الطالبات تحت نار لا تعرف الإنسانية ولا الرحمة؛ صاروخ ”توما هوك" الذي نال من لحوم برعماتنا وفتك بأجسادهن، وجعلهن أشلاء متطايرة، إنه العطاء الأبستيني الأمريكي كهدية لعالم الطفولة، عطاء سيد الجزيرة الشيطانية رئيس هرم بلد ما يسمى بالعم سام. نجم جزيرة اغتصاب القاصرات وقدح كؤوس المدام، ”خمر مزج بدماء الأطفال كأكباش فداء" إرضاء للشيطان حسب الطقوس التي اعتادوا على ممارستها وما نصت عليه كتبهم الخبيثة.

وبتعبير آخر، عذرا وإن خرجت عن المألوف: نستحضر في هذا اليوم صرخة يتيمة عبرت سماء الجنوب الإيراني، حين تحولت مقاعد الدراسة إلى رماد، تكسرت على أبوابها أحلام كانت تتعلم أبجديات الغد. هناك، وعلى طريقة بلد أفلام الرعب والإباحة لم تعد الطفولة مجرد ضحكة عابرة، بل صارت وجعا مفتوحا على ذاكرة الإنسانية، يذكر العالم بأن البراءة حين تستهدف فإن التاريخ كله ينكسر في داخله.

ليست الحكاية أرقاما ولا تفاصيل سرد فقط، بل جرح إنساني عميق يفضح قسوة عالم من يزعمون حماية الطفولة وهم يجرعون من كؤوس امتزج نبيذها بدم عالم الطفولة ليصبح أشد احمرارا كانوا رواد ل”جزيرة إبستين".

نعم إنه عالم مازال يتعثر بين القوة والرحمة، بين ما يعلنه من قيم وما يمارسه على الأرض من نقيضها.

أعود الآن إلى البلاغة والفلسفة المألوفة التي عودتني عليها ريشة قلمي.

”بمناسبة اليوم العالمي للطفولة: الطفل ليس عابرا في هوامش الحياة، بل مشروع حضارة، وجينالوجيا مستقبل، وسيميولوجيا النقاء الإنساني."

أكتب عن هذا العالم الملائكي، لأنني أؤمن أن العالم لا يقاس بضجيج الإمبراطوريات ولا بصخب الماديات، بل بقدرته على حماية قلب صغير من الإنكسار، وعلى صون ابتسامة بريئة من التلاشي وسط فوضى هذا العصر المتخم بالاستلاب والتيه والاغتراب. ففي الأول من جوان، يوم الطفولة العالمي، لا نحتفي بمرحلة عمرية عابرة، بل نحتفي بأعظم ميتافيزيقيا للبراءة، وبأجمل سيميولوجيا للصفاء، وبأرقى تجليات الفطرة الإنسانية التي لم تعبث بها راديكالية القسوة ولا براغماتية المصالح. فالطفل ليس رقم سجل ديموغرافي، ولا مجرد تفصيل هامشي في خارطة المجتمع، بل هو مشروع نهضة كامنة، واحتمال عبقرية قادمة، ونواة حضارة قد تغير وجه التاريخ إن وجدت المناخ السيكولوجي والتربوي والثقافي المناسب للإزدهار.

لقد اثبتت الجينالوجيا الحضارية أن كثيرا من العباقرة والمبدعين والأدمغة، انطلقوا من طفولة آمنت بهم قبل أن يؤمن العالم بقدراتهم، ووجدوا من يحتضن فضولهم المعرفي بدل أن يخنقه، ويشجع أسئلتهم بدل أن يسخر منها. والطفل ليس وعاء للحفظ والتلقين فحسب بل كينونة ديناميكية نابضة بالاكتشاف، وعقل يتشكل بين الخيال والتجريب والطموح.

ومن هنا، فإن مسؤولية الآباء والأمهات لا تتوقف عند توفير الطعام واللباس، بل تمتد إلى بناء بيئة إنسانية رحيمة، تمنح البراعم والبرعمات الأمان العاطفي، والثقة بالنفس، وحرية التعبير، ومساحات الإبداع والابتكار. فالاحتواء النفسي أعمق أثرا من التوبيخ، والكلمة الطيبة أكثر فاعلية من القسوة، والتشجيع قد يصنع معجزة تربوية تتجاوز كل النظريات البيداغوجية المعقدة. وقد جاء الخطاب القرآني مشبعا بفلسفة الرحمة والرأفة، قال تعالى: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة}، فالرحمة ليست هشاشة، بل قوة أخلاقية راقية، وهندسة سلوكية تنتج إنسانا متوازنا قادرا على صناعة الجمال بدل إعادة إنتاج العنف.

إن الطفل الذي تمنحه كتابا قد يصبح مفكرا، والذي نمنحه لونا قد يتحول إلى فنان يرمم ذائقة العالم، والذي تتيح له مختبرا صغيرا، قد يغدو عالما يبتكر ما ينقذ البشرية من أزماتها. فالأمم العظيمة لا تبني المستقبل بالإسمنت وحده، بل تبنيه بالعقول الصغيرة التي تكبر داخل بيئة تحترم الحلم وتؤمن بالإمكان. ومن أسمى آيات الوعي الحضاري أن ندرك بأن الطفل ليس كائنا يؤجل الاهتمام به إلى الغد، بل هو الغد ذاته.

فالمجتمعات التي تحسن الإصغاء إلى خيال أطفالها، وتمنحهم فضاءات الاكتشاف والتساؤل والتجريب، هي مجتمعات تكتب تاريخها بحبر الإبداع لا بغبار الأزمات والانكسارات.

وفي الزاوية الأكثر إيلاما من الذاكرة الإنسانية، تتجلى مآس متراكمة لأطفال دفعوا ثمن الحروب العداونية الصهيو_أمريكية والحصار؛ أطفال غزة الذين استشهد منهم وشرد عشرات الالاف تحت القصف المستمر والمعاناة الإنسانية الثقيلة، وكذلك ما حل بأطفالنا في جنوبنا اللبناني الشامخ الذين عاشوا القلق الدائم تحت نيران العدوان الصهيوني، ناهيك أيضا عن معاناة أطفال بلد الأبجدية الأولى. بسبب التآمر والإنقسامات وحصار قيصر الجائر المضروب على الشعب السوري بأكمله، وأطفال اليمن الذين أنهكتهم المجاعة والمرض وتداعيات الحصار والتكالب المستمر على أبو العرب ”اليمن الشقيق". وقد أكدت تقارير وشهادات حقوقية وإعلامية إلى حوادث إستهداف لمؤسسات مدنية وتعليمية في أكثر من منطقة، بينها ما أثير حول جريمة قصف مدرسة الإناث كما أسلفت الذكر ”شجرة طيبة" في مدينة ميناب الواقعة جنوب إيران صباح يوم السبت 28 فبراير 2026، من خلال الموجة الأولى من صواريخ وقذائف العدوان الصهيو_ أمريكي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية. هذه الجريمة النكراء التي نهشت من أجساد ما يقارب من 180 برعمة، معظمهن طالبات في المرحلة الابتدائية والموظفين حيث التهم صاروخ طراز ”توما هوك" إنطلق من إحدى القواعد الأمريكية من دولة مجاورة محولا أجساد عالم البراءة إلى أشلاء متناثرة. وقد أكدت وأثبتت صور الأقمار الصناعية ومقاطع الفيديو تورط حكومة الطاغوت الأكبر في هذه الجريمة البشعة التي زلزلت مشاعر وأحاسيس الإنسانية جمعاء، كما ذكر تقرير ”لنيويورك تايمز" كاشفا ضلوع حكومة الرئيس الأمريكي دونالد الإبستيني في هذه الفاجعة المهولة.

ففي زمن تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، وتتضخم فيه النزعات الاستهلاكية والاضطرابات القيمية، تبقى الطفولة آخر القلاع البيضاء في هذا العالم المتعب. لذلك، فإن حماية الأطفال ليست ترفا اجتماعيا ولا شعارا بروتوكوليا موسميا، بل واجب حضاري وأخلاقي وإنساني، يتجاوز كل الحدود والأعراف والإيديولوجيات. فلنزرع في قلوب أطفالنا المعرفة بدل الخوف، والثقة بدل الاحباط، والمحبة بدل العنف، ولنمنحهم الأرضية الخصبة التي تسمح لمواهبهم أن تتفتح كحدائق النور. فحين نحسن رعاية الطفولة، فإننا في الحقيقة لا نحمي حاضر الإنسانية فقط، بل نؤسس لمستقبل أكثر اتزانا وعدالة وجمالا. وكل عام وأطفال غزة ولبنان وإيران واليمن وسورية والعراق والوطن العربي والعالم بألف خير، فهم حقا...براعة البراءة، حين تنجب الطفولة بطولة.

كاتب سوري حر.