"قصة قصيرة "
العاصفةُ الكبيرة تعصف في أرجاء غاباتنا. عويلُها العالي منسجمٌ مع نُباحِ كلابٍ ضالّةٍ ونعيقِ غربانٍ ونعيبِ بُومٍ وضباحُ ثعالبَ شاردة .
الذئابُ الدمويّةُ تمدُّ أياديَ مضرّجةً بدماءِ الأطفالِ والنساءِ والرجال. مسلِّحةً بخناجرَ وسيوفٍ وسكاكينَ، وبِجميعِ آلاتِ القتل، مُحقِّقةً دمارًا في البيوتِ والحاراتِ والمحال، مخلِّفةً موتًا للنساءِ والأطفالِ والرجال.
من البرِّ موتٌ، ومن البحرِ موت، وموتٌ مِنَ الفضاء.
من قلبِ العاصمةِ الأبيّةِ بيروت التي قاوَمَتِ الاِحتِلالَ ، وطردتْ جيشَهُ الدَّمَويَّ المزعومَ زوراً بأنَّهُ لا يُقْهَر، وقدِ اسْتَجْدى قادتُهُ المُقاومينَ الأبطال، عبر مُكبِّراتِ الصوت: "لا تُطلِقوا النارَ علينا..
نحنُ مُنسَحِبون".
مِن قلبِ بيروتَ امتدَّتْ أيادٍ راعشةٌ مُلطَّخةٌ بالذُّلِّ وبالدَّم، مغلولةٌبالتبعيّةِالعمياءِ،ومصفَّدَةٌ
بأغلالٍ عديدةٍ، لِمُصافحةِ تلكَ الأيادي المضرَّجةِبِدِماءِالمدنيّينَ الأبرياءِ العُزّل، والمسلّحةِ بآلاتِ القتلِ والسَّحْلِ والدّمار ، والتي لم تُبقِ ولمْ تذرْ، إذْ بعد إبادةِ البشرِ وتجويعِهم، صوَّحتِ الشجرَ، وسرقتْ أشجارَ التينِ والزيتونِ، ودمَّرَتِ الحجر.
أبصر عماد ذلك المشهد المغرق في الخيانة، وسمع أصوات أصحاب تلك الأيدي الملطّخة بالذّل والهوان، المدعومة من أناس باعوا أنفسهم للشيطان، وسمع نعيبهم المسموم، فساءته هرولة هؤلاء السَّاعين إلى مصافحة أيادي أؤلئك المجرمين الموصوفين القتلة ، ومن هؤلاء واحد قرأ المجازر الرهيبة، وأعلن بالفم الملآن في غير مكان -حيث أقيمت محكمة تنشد العدل في هذا الزمان-مسؤولي الكيان مجرمي حرب وإبادة ، فراح عماد يتذكَّر الفتوى التي أطلقها سماحة الإمام حيث قال:"إسرائيل شرٌّ مطلق والتعامل معها حرام"، وشعار سماحة شيخ الشهداء :
"المصافحة اعتراف"
وشرع يرنو إلى الجبل العامليّ الأبيّ الذي تحوّلت مدنه وقراه قلاعًا شامخة سجّل الأبطال على ترابها العزيز، وصخرها العنيد أجمل الملاحم التي غدت دروسها معتمدًة في الكليّات الحربية وسأل:
-- مَنْ ذا الذي يسمح لهذه اليد العاثرة ولغيرها بالعبور فوق رؤوس حجارة البيوت المدمَّرة التي لا تزال تحتضن برفق أبطال الملاحم الفريدة في هذا العصر مَنَْ؟
ألم يقرأ أصحاب هؤلاء القانونَ الذي يُجرّم التطبيع؟ ألم يرَ وسائط الدفاع والمقاومة التي زوّد الله بها المخلوقات كافّة؛ البشر والحيوانات والورود والأشجار؟
قال ذلك وشرع ينقِّل بصره في هذا الخواء الواسع وقال:
-- ألله الله يا بيروت يا من ملأتِ الدنيا هديرًا تضامنًا مع مضطهدي هذا العالم. أين أنت الآن ؟ بل أين المظاهرات الشاجبة ؟،وأين الذين كانوا يقيمون الدنيا ولا يقعدونها استنكارًا لاستضعاف أيّ شعبٍ في هذا العالم الذي تسوده شريعة الغاب؟
-- غاب أصحاب المواقف الوطنيّة إلّا قليلا، لا تتعب نفسك يا صاحبي(قلت)
رنا إليّ وقال:
-- لا يهمّ ، فلسطين قضيّتنا. ولن نترك أهلها الذين يستبيحهم هؤلاء القادمون من شتات. لا نتركهم ،فنحن أولو البأس وحرَّاس الأرض والتاريخ والتراث الغالي، وصرخاتنا مدويَّة نطلقها:
" لا للتّطبيع. لا للمصافحة، لا لتسليم السلاح؛ فالمصافحة اعتراف، والسلاح زينة الرجال الرجال.
-- أحسنت وأجدت. لا فضَّ فوك يا صديقي، فهذا المشروع سينكسر، والاتفاقيَّات المذلّة ستتمزّق كما مزّقنا اتفاقية السابع عشر من أيار من قبل.
-- أسعد الله موقفك الوطنيّ الراسخ ، وستجد في أرجاء هذا الوطن العزيز أصواتًا عديدًة متضامنًة وهادرًة وهي تردِّد معنا:.
ألتخلّي عن السلاح خيانة يعاقب عليها الله الذي قال: وأعدّوا لهم ولن يحصل، والتطبيع خيانة يُعاقب عليها القانون ولن يمر.
ردد معي: لن يحص.لن يمرّ لن يحصل لن يمرّ...
بيروت في 5/8/2025
د.علي حجازي