قراءة في حلقة للكاتب والباحث ميخائيل عوض بعنوان
أخبار وتقارير
قراءة في حلقة للكاتب والباحث ميخائيل عوض بعنوان "مفاوضات الاستدراج.. ترمب يتلاعب! الحرب في الخليج والجائزة ساحل الشام؟"
15 نيسان 2026 , 20:56 م

تاريخ الحلقة: 12.04.2026

*مقدمة*

تقدّم حلقة ميخائيل عوض قراءة تتجاوز ظاهر الأحداث العسكرية والتصريحات السياسية، لتدخل إلى جوهر الخلاف بين الأطراف، فالصراع لا يتمحور حول الملف النووي أو حدود الاشتباك الميداني، بل حول مشروع أوسع لإعادة هندسة الشرق الأوسط عبر تقاسم النفوذ بين القوى الكبرى، حيث يُعاد تعريف مناطق القوة والوظيفة لكل طرف ضمن معادلة جديدة تتجاوز الدولة التقليدية إلى منطق “الممرات والمفاصل”.

ضمن هذا السياق، تصبح فكرة “الجائزة الكبرى” هي المفتاح التفسيري الأهم في الحلقة

ساحل الشام بوصفه ليس مجرد جغرافيا ساحلية، بل عقدة تحكم استراتيجية في منظومة الطاقة العالمية ومسارات النفوذ بين آسيا وأوروبا. فهو، وفق هذا التصور، النقطة التي تتقاطع عندها خطوط الغاز والنفط، وممرات التجارة، وموازين الردع العسكري، ما يجعله الهدف غير المعلن لأي إعادة توزيع كبرى للنفوذ.

ومن هنا، تتفرع فرضية أكثر خطورة أن ما يجري من تصعيد وتفاوض وضغط سياسي وعسكري، ليس سوى تمهيد لإحدى ثلاث لحظات مفصلية—تهدئة مؤقتة، صفقة كبرى لإعادة التقاسم، أو انفجار واسع يعيد خلط الأوراق—وأن الأيام المقبلة، وبالأخص “النافذة الزمنية القصيرة المتبقية من زمن الهدنة” التي يجري الحديث عنها، قد تكون لحظة اختبار حاسمة لقدرة الأطراف على فرض شكل خرائط النفوذ القادم.

بهذا المعنى، لا تبدو الحلقة مجرد تحليل للأحداث، بل محاولة لالتقاط لحظة انتقال تاريخي من شرق أوسط يُدار بالأزمات، إلى شرق أوسط يُعاد تشكيله وفق خرائط نفوذ جديدة، يكون فيها ساحل الشام مركز الثقل، ولبنان رافعة المشروع والتفاوض امتداداً للحرب، والهدنة جزءاً من إدارة الصراع لا نهايته.

*أولاً: “مفاوضات الاستدراج” – عقيدة ترامب التفاوضية*

في قراءة ميخائيل عوض، لا يمكن فهم سلوك دونالد ترامب التفاوضي ضمن الأطر الكلاسيكية للدبلوماسية، بل يجب تفكيكه كـ أداة صراع مركّبة تُدار بعقلية “الصفقة” لا “التسوية”. فترامب لا يتعامل مع التفاوض كمسار خطّي ينتهي باتفاق، بل كـ مسرح عمليات متحرك يُستخدم لإعادة تشكيل موازين القوى النفسية والسياسية قبل أي حسم ميداني أو سياسي.

ضمن هذا الإطار، يطرح عوض نموذجاً تفسيرياً قائماً على ثلاثية:

الخداع ،التصعيد ، الصفقة المفاجئة، وهي ليست مجرد سلوك ظرفي، بل نمط متكرر يعكس بنية تفكير تقوم على إدارة الخصم لا التفاهم معه.

في مرحلة الخداع، يجري ضخ إشارات إيجابية تصريحات عن تقدم، تسريبات عن تفاهمات، وإيحاء بأن الاتفاق بات قريباً. هذه المرحلة تستهدف خفض التوتر، وإدخال الخصم في حالة “ترقّب إيجابي” تدفعه إلى ضبط سلوكه أو تقديم تنازلات غير معلنة.

ثم تأتي مرحلة التصعيد، حيث ينقلب الخطاب فجأة إلى الحديث عن فشل، رفع سقف الشروط، أو حتى خطوات ميدانية (عسكرية أو عقابية). هذا التحول المفاجئ لا يُقصد به فقط الضغط، بل إعادة ضبط ميزان الإدراك لدى الخصم، عبر إدخاله في حالة ارتباك وشك: هل ما جرى خدعة؟ هل التفاوض جدّي أم مجرد غطاء؟

أما المرحلة الثالثة، الصفقة المفاجئة، فهي اللحظة التي يُعاد فيها فتح باب التفاوض، ولكن بشروط جديدة ناتجة عن أثر المرحلتين السابقتين. هنا، يكون الخصم قد استُنزف نفسياً وسياسياً، وتعرّض لضغوط داخلية وخارجية، ما يجعله أكثر قابلية لتقديم تنازلات أو القبول بصيغة لم يكن ليقبل بها سابقاً.

هذا ما يفسر، في طرح عوض، التناقض الظاهري في تصريحات دونالد ترامب بين إعلان “فشل المفاوضات” ثم وصفها بأنها “مثمرة جداً”. فالتناقض ليس خللاً، بل جزء من التقنية التفاوضية نفسها، حيث تُستخدم الرسائل المتضاربة كأداة لإرباك الخصم، وزرع الشك بين مكوناته وحلفائه.

بالتالي، الهدف الحقيقي من هذا النمط لا يتمثل في الوصول السريع إلى اتفاق، بل في

إرباك الخصم وإخراجه من توازنه لاختبار مدى تماسكه الداخلي وتحالفاته و

لخلق بيئة ضغط داخلية عليه (سياسية، إعلامية، أو شعبية)

أملا بتحسين شروط التفاوض قبل لحظة الحسم

وفي هذا السياق، تصبح المفاوضات نفسها امتداداً للحرب بوسائل أخرى، حيث لا تقل أهمية “إدارة الإدراك” عن إدارة النيران في الميدان.

*ثانيًا: إيران – بين “الانضباط” و”الشك”*

في مقاربة عوض، لا يمكن اختزال السلوك الإيراني في ثنائية بسيطة بين “التصعيد” و”التهدئة”، بل يجب قراءته كـ نموذج إدارة صراع طويل النفس يقوم على مزيج محسوب من الانضباط العملياتي والمناورة الاستراتيجية لمفاوض عتيد متمرس قضى عشرات السنوات في حقل ألغام التفاوض مع عدوه. ومن هنا يطرح السؤال المركزي: هل إيران تتصرف كقوة منضبطة تضبط إيقاع المواجهة، أم كفاعل يناور تكتيكياً تحت ضغط الظروف؟

يجيب عوض بأن ما يبدو تناقضاً في السلوك الإيراني—بين استمرار التفاوض من جهة، والانخراط في ساحات اشتباك متعددة من جهة أخرى—هو في الحقيقة تعبير عن عقيدة إدارة متوازية للمسارات. فإيران، وفق هذا التصور، لا ترى في التفاوض بديلاً عن الصراع، بل أداة مكمّلة له، تُستخدم لتثبيت المكاسب، وامتصاص الضغوط، ومنع الانزلاق إلى حرب شاملة قد لا تخدم توقيتها الاستراتيجي. لذلك، يظهر “الانضباط” في ثلاثة مستويات: أولاً، الاستمرار في التفاوض رغم التصعيد، بما يعكس قدرة على الفصل بين المسار الدبلوماسي والميداني؛ ثانياً، تجنّب الانجرار إلى مواجهة كبرى مفتوحة، إلا ضمن شروط محسوبة؛ وثالثاً، إدارة شبكة معقدة من الأدوات (عسكرية، سياسية، اقتصادية) بشكل متكامل يضمن بقاء المبادرة بيدها.

في المقابل، يلفت عوض إلى أن هذا السلوك ذاته يُستهدف بحملة تشكيك ممنهجة، تقوم على ضخ روايات تتهم إيران بـ”بيع الحلفاء” أو “التخلي عن الساحات”، في محاولة لضرب الثقة البنيوية داخل محور حلفائها. هذه السرديات لا تُقرأ—في طرحه—كوقائع، بل كجزء من حرب إدراكية تهدف إلى تفكيك البيئة الحاضنة للمقاومة، وإحداث شرخ بين القيادة والحلفاء، عبر الإيحاء بأن طهران قد تساوم على نفوذها مقابل مكاسب خاصة.

غير أن عوض يشكك في هذه الفرضية، ويؤسس موقفه على ثلاث ركائز مترابطة: الأولى، البعد العقائدي المتمثل في نظرية “ولاية الفقيه”، التي تُضفي على العلاقة مع الحلفاء طابعاً يتجاوز البراغماتية السياسية نحو التزام أيديولوجي-ديني؛ الثانية، حجم التضحيات التي قدمتها إيران—بشرياً وسياسياً—في ساحات متعددة، ما يجعل “البيع” خياراً مكلفاً يهدد مجمل مشروعها؛ والثالثة، طبيعة شبكة التحالفات التي بنتها، والتي لا تقوم على تبعية وظيفية، بل على تشابك مصالح ورؤى وصراعات مشتركة.

بناءً على ذلك، يخلص عوض إلى أن إيران لا يمكن فهمها كنموذج “دولة-تاجر” على الطريقة الغربية، بل كـ فاعل عقائدي-استراتيجي يعمل وفق منطق تراكمي طويل الأمد، حيث تتداخل العقيدة مع الجغرافيا، والسياسة مع الهوية. وهذا ما يجعل سلوكها يبدو أحياناً “غامضاً” أو “متردداً” في أعين خصومها، بينما هو في بنيته العميقة تعبير عن انضباط محسوب يهدف إلى إدارة الصراع لا الانخراط في مقامرة حاسمة قبل أوانها.

*ثالثًا: جوهر الصراع الحقيقي – ليس النووي*

في تفكيك عوض لطبيعة الصراع القائم، يُعاد ترتيب الأولويات بعيداً عن السردية السائدة التي تضع الملف النووي الإيراني في مركز المواجهة. فبحسب طرحه، لا يشكّل النووي سوى واجهة تفاوضية وأداة ضغط تُستخدم لتبرير السياسات والتصعيد، بينما تدور المعركة الفعلية في مستوى أعمق بكثير إعادة هندسة النفوذ في المشرق العربي.

ينطلق عوض من فرضية أن القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وحلفاؤها، لم تعد تخوض صراعها مع إيران على “امتلاك القنبلة” بقدر ما تخوضه على من يملك الجغرافيا الحاكمة لمسارات القوة في الإقليم. ومن هنا، يصبح السؤال المركزي: هل يمكن إعادة رسم خرائط السيطرة والنفوذ في فضاء يمتد من الرافدين إلى شرق المتوسط؟

ضمن هذا الإطار، تتقدم أربع ساحات بوصفها مفاتيح النظام الإقليمي الجديد:

- العراق (الرافدين) قبة السماء: ليس فقط كدولة، بل كعقدة جغرافية تربط الخليج ببلاد الشام، وكممر استراتيجي بين إيران والعالم العربي، ومن يضبطه يمتلك قدرة التأثير على عمق الإقليم.

- سوريا عمود السماء: بوصفها القلب الجغرافي للمشرق، ونقطة الارتكاز التي تتقاطع عندها مشاريع الطاقة وخطوط النفوذ، إضافة إلى موقعها كحلقة وصل بين الشرق والغرب.

- لبنان جبل الرب: فهو ليس مجرد ساحة صغيرة، بل واجهة بحرية حساسة على شرق المتوسط، ونقطة تماس مباشرة مع الكيان الإسرائيلي، ما يجعله ساحة اختبار لتوازنات الردع.

- سواحل شرق المتوسط: حيث تتقاطع مصالح الطاقة (الغاز تحديداً) مع طرق التجارة البحرية، وحيث يصبح التحكم بالمرافئ والأنابيب عاملاً حاسماً في رسم ملامح الاقتصاد السياسي للمنطقة.

وفق هذا التصور، يتحول الملف النووي إلى ورقة تفاوضية وهمية تُستخدم لتغطية الصراع الحقيقي، أو لتأجيله، أو لإدارته ضمن سقوف قابلة للتحكم. أما جوهر المواجهة، فهو صراع على السيطرة على الفضاء الجيوسياسي الذي يربط آسيا بأوروبا، والطاقة بالأسواق، والبر بالبحر.

وبالتالي، فإن أي قراءة تختزل الصراع في مسألة “تخصيب اليورانيوم” أو “الرقابة الدولية” تُعد في نظر عوض قراءة سطحية، لأنها تتجاهل أن ما يجري هو إعادة توزيع للقوة على مستوى الإقليم، وأن نتائج هذه المعركة لن تحدد فقط مصير إيران، بل شكل النظام الإقليمي بأكمله من يهيمن، ومن يتراجع، ومن يرسم قواعد اللعبة في الشرق الأوسط لعقود قادمة.

*رابعًا “الجائزة الكبرى” – ساحل الشام*

في قلب أطروحة عوض يبرز هذا المحور بوصفه العصب الحقيقي للصراع، حيث ينقل النقاش من سطحه الظاهر (الخليج والنفط) إلى عمقه البنيوي من يسيطر على ساحل الشام يسيطر على مفاتيح العالم القادم. فالصراع، في جوهره، لا يدور حول من يمتلك الطاقة، بل حول من يتحكم بمساراتها، ومن يحدد اتجاه تدفقها، ومن يملك القدرة على وصلها أو قطعها.

ينطلق عوض من تفكيك المعادلة التقليدية التي تضع الخليج في مركز الاهتمام بوصفه خزان الطاقة العالمي، ليعيد تركيبها على نحو مختلف الخليج هو المصدر، لكنه ليس مركز القرار. أما القرار الحقيقي، فيكمن في الجغرافيا التي تتحكم بمرور هذه الطاقة نحو الأسواق العالمية، وهنا يبرز ساحل الشام—من جنوب لبنان مروراً بسوريا وصولاً إلى تخوم الأناضول—كمنطقة حاكمة تتقاطع فيها كل الخطوط.

أولاً، من زاوية ممرات الطاقة، حيث يشكّل هذا الساحل نقطة نهاية أو عبور لمشاريع أنابيب النفط والغاز القادمة من الخليج أو من آسيا الوسطى، والمتجهة نحو أوروبا. وبالتالي، فإن السيطرة عليه تعني امتلاك القدرة على فتح أو إغلاق خطوط الإمداد وفرض شروط على الدول المستوردة و إعادة رسم خرائط الطاقة العالمية.

ثانياً، من زاوية الموقع الجيوسياسي، يقع ساحل الشام في نقطة التقاء حيوية بين ثلاث دوائر كبرى:

آسيا (مصدر الطاقة والعمق البشري) ، أوروبا (السوق والطلب)، روسيا (القوة الطاقوية المنافسة)

وهذا ما يجعله ليس مجرد شريط ساحلي، بل مفترق طرق استراتيجي عالمي، من يسيطر عليه يمتلك قدرة التأثير في توازنات هذه الكتل الثلاث ويطبق الحصار على الصين وهي الخصم الأخطر لأمريكا.

ثالثاً، من زاوية التحكم بخطوط الإمداد العالمية، يرى عوض أن الصراع يتجاوز مسألة النقل إلى مسألة الهيمنة فأوروبا تحتاج إلى بدائل للطاقة الروسية،

الصين تعتمد على تدفق مستقر للطاقة عبر مسارات آمنة،

أما روسيا تسعى للحفاظ على نفوذها في سوق الطاقة.

وفي هذا السياق، يصبح ساحل الشام أداة ضغط على الجميع

من يسيطر عليه يستطيع أن يساوم أوروبا، يضغط على الصين، ويزاحم روسيا في آنٍ معاً.

انطلاقاً من هذه المعطيات، يعيد عوض تعريف معادلة الصراع:

"الخليج هومخزن الطاقة

لكن ساحل الشام هو مفتاح التحكم بتوزيعها"

وبالتالي، فإن الحروب، والضغوط، وإعادة تشكيل الدول والأنظمة في هذه المنطقة، ليست أحداثاً معزولة، بل أجزاء من مشروع أوسع يهدف إلى إعادة ضبط الجغرافيا بما يخدم السيطرة على هذا الساحل الحيوي.

وفي هذا الإطار، يمكن فهم:

- محاولة ترمب للاستفادة من الوضع في سوريا بصفته فرصة لا مشكلة.

- مركزية لبنان في المواجهة

الاهتمام الدولي المتزايد بشرق المتوسط

بوصفها جميعاً تعبيرات عن معركة واحدة معركة من يمتلك “مفاتيح العبور” بين الشرق والغرب.

وهنا تكمن خطورة طرح عوض وعمقه في آنٍ معاً: فهو لا يرى أن المنطقة تُستهدف لأنها غنية فقط، بل لأنها تتحكم بالوصل والفصل بين مراكز القوة العالمية. ومن ثم، فإن من يحكم ساحل الشام لا يربح معركة إقليمية فحسب، هو في موقع الشريك—أو المنافس—في صياغة النظام الدولي القادم لعالم جديد.

*خامسًا: لبنان العقدة الكأداء في المشروع الأكبر*

في البناء التحليلي لدى عوض، لا يظهر لبنان كساحة جانبية أو هامشية في الصراع، بل كـ نقطة ارتكاز حاسمة تتقاطع عندها المسارات العسكرية والسياسية والاقتصادية، ما يجعله أقرب إلى “عقدة تحكم” في مشروع إعادة تشكيل المشرق. فلبنان، بحكم موقعه على تخوم ساحل الشام، يتحول إلى بوابة إلزامية لأي قوة تسعى للهيمنة على هذا الساحل، وبالتالي لا يمكن فصله عن المعركة الكبرى على الجغرافيا الحاكمة في شرق المتوسط.

ضمن هذا السياق، يحدد عوض ثلاثة أدوار مركزية للبنان في الصراع:

أولاً، كـ ساحة استنزاف عسكري، حيث يجري توظيف الجبهة الجنوبية، وما يتصل بها من مواجهات وضربات، لإبقاء ميزان القوى في حالة استنزاف دائم. الهدف هنا ليس الحسم السريع، بل استنزاف قدرات الخصم، واختبار تكتيكاته، واستدراجه إلى بيئات قتال غير مريحة، خصوصاً في حرب المدن والبيئات المركبة.

ثانياً، كـ ورقة تفاوضية، إذ يُستخدم الوضع اللبناني—بما فيه ملف السلاح، وطبيعة السلطة، وتركيبة الدولة—كجزء من طاولة التفاوض الأوسع. فكل ضغط عسكري أو سياسي في لبنان ينعكس مباشرة على شروط التفاوض الإقليمي، ما يجعله ورقة مساومة حية تُفعّل أو تُجمّد بحسب الحاجة.

ثالثاً، كـ بوابة السيطرة على ساحل الشام، وهي الوظيفة الأخطر. فمن ينجح في إعادة تشكيل لبنان سياسياً وأمنياً، يكون قد خطا خطوة أساسية نحو الإمساك بمفصل حيوي من الساحل، وبالتالي نحو التحكم بمسارات الطاقة والنفوذ في المنطقة.

انطلاقاً من هذه الأدوار، يقرأ عوض ما يجري داخل لبنان كعملية متعددة المستويات:

- ضغط عسكري مباشر: من خلال التصعيد في الجنوب، واستهداف الضاحية، ومحاولات كسر قواعد الاشتباك، بما يهدف إلى خلق بيئة ردع معاكسة أو فرض وقائع جديدة.

- ضغط سياسي ممنهج: عبر الدفع نحو إعادة طرح ملف السلاح، وفتح قنوات تفاوض مباشرة أو غير مباشرة مع الإسرائيلي، ومحاولة نقل لبنان من موقع “ساحة مقاومة” إلى “ساحة تسوية”.

- هندسة انقسام داخلي: عبر ضخ سرديات، وتفعيل تناقضات داخلية، بهدف خلق شرخ بين المكونات اللبنانية، وإضعاف الحاضنة الاجتماعية لأي خيار مقاوم.

غير أن أخطر ما يطرحه عوض في هذا السياق هو فرضية الانتقال إلى خيار “الإنزال” العسكري، أي التدخل المباشر عبر قوات خاصة أو بحرية للسيطرة على نقاط استراتيجية على الساحل اللبناني. هذه الفرضية لا تُطرح كخيال، بل كاحتمال يرتبط بالمعطيات التالية:

- الحشد العسكري البحري في شرق المتوسط

- الحديث المتكرر عن قواعد ومرافئ ومناطق حيوية

- العجز عن تحقيق حسم بري تقليدي

- سلوك الحكومة التي لا يراها تتصرف بغباء وتهور بل كجزء من خطة الأمريكي والاسرائيلي للسيطرة.

في هذا الإطار، يصبح “الإنزال” خياراً بديلاً يهدف إلى:

- فرض وقائع ميدانية سريعة

السيطرة على عقد جغرافية محددة (مرافئ، شريط ساحلي، نقاط مرتفعة)

- كسر التوازن القائم دون الانزلاق إلى حرب شاملة طويلة

بالتوازي، يربط عوض هذا المسار بما يسميه “إعادة تشكيل السلطة من خارج السياق”، في إشارة إلى طبيعة الحكومة التي تشكّلت في لبنان، والتي يراها غير ناتجة عن توازنات داخلية طبيعية، بل عن حاجة وظيفية ضمن المشروع الأوسع. فهذه السلطة وفق قراءته تؤدي دوراً محدداً: تسهيل فتح قنوات التفاوض وتمرير قرارات حساسة (مرتبطة بالسلاح أو بالسيادة) وتوفير غطاء سياسي لأي تحولات ميدانية أو تدخلات خارجية

وهنا يبرز الربط مع مواقف توماس براك، الذي أشار إلى أن ما يجري في المنطقة—وخاصة في سوريا—يجب أن يُفهم كـ “فرصة” وليس كأزمة. في قراءة عوض، هذا الكلام لا يُفصل عن لبنان، بل يُدرج ضمن رؤية أوسع تعتبر أن إعادة تشكيل الدول ليست نتيجة فوضى، بل جزء من مشروع استثماري-استراتيجي

في الجغرافيا (وخاصة الساحل) تُعاد هندستها لتخدم منظومة نفوذ جديدة وبالتوازي الكيانات السياسية تُعاد صياغتها لتتلاءم مع هذا التحول.

بناءً على ذلك، يصبح لبنان في قلب معادلة خطيرة إما أن يُعاد تعريفه كجزء من محور مقاوم يمتلك وظيفة صراعية،

أو يُعاد تشكيله ككيان “وظيفي” مندمج في منظومة إقليمية تقودها قوى خارجية.

الخلاصة التي يصل إليها عوض هي أن الهدف النهائي ليس مجرد الضغط على لبنان، بل

إعادة تعريف دوره ووظيفته في النظام الإقليمي القادم

هل يكون عقدة مقاومة تعطل المشاريع، أم منصة عبور تسهّلها؟

وفي هذا التحديد بالذات، تكمن شراسة الصراع الدائر على أرضه.

*سادسًا: عقدة الجنوب المقاوم*

في استكمال للحديث عن لبنان ، لا يكتفي عوض بوضع لبنان كعقدة مفصلية عامة، بل يذهب إلى مستوى أدقّ، حيث يحدد نقاطاً جغرافية بعينها يرى أنها تقع في قلب المشروع الجاري، وعلى رأسها البداوي شمالاً والزهراني جنوباً، بوصفهما عقدتين حيويتين في معادلة السيطرة على ساحل الشام.

ضمن هذا التصور، لا يُنظر إلى الساحل اللبناني ككتلة واحدة، بل كـ سلسلة نقاط تحكم وكل نقطة منها تمثل منفذاً للطاقة

أو محطة عبور أو موقعاً لوجستياً قابلاً للتحويل إلى قاعدة نفوذ.

أولاً: الزهراني – عقدة الجنوب ومصب الطاقة

يضع عوض الزهراني في موقع بالغ الحساسية، لكونه يحتوي على منشآت نفطية ومصفاة

تقع ضمن الامتداد الجغرافي لجنوب لبنان المتصل مباشرة بساحة الاشتباك

يشكّل نقطة محتملة لربط خطوط الطاقة القادمة من الداخل إلى الساحل

في هذا السياق، يقرأ عوض التصعيد والتدمير والضغط في محيط الجنوب—وخاصة ضمن الخط الممتد حتى الزهراني—كجزء من محاولة تفريغ المنطقة من عناصر القوة (السكان، البنية، المقاومة)

تمهيداً لإعادة توظيفها ضمن مشروع اقتصادي-استراتيجي أوسع مرتبط بالطاقة.

ثانياً: البداوي – بوابة الشمال وممر الأنابيب

أما البداوي شمالاً، فيتم التعامل معها كجزء من مشهد أكبر يشمل

الساحل الشمالي للبنان و

الامتداد نحو سوريا (بانياس وطرطوس) مع إمكانية الربط مع خطوط نقل الطاقة من الشرق

أهميته تكمن في أنه يقع على تماس مع العمق السوري

وبالتالي يمكن أن يتحول إلى نقطة استقبال أو توزيع للنفط والغاز، كما يمثل مدخلاً لوجستياً لأي مشروع يمتد من الشمال نحو المتوسط

ثالثاً: من البداوي إلى الزهراني – رسم “شريط السيطرة”

عند الربط بين النقطتين، تتضح الصورة التي يرسمها عوض

مشروع يمتد على طول الساحل اللبناني من الشمال (البداوي)

إلى الجنوب (الزهراني)

ضمن شريط استراتيجي متصل

هذا الشريط ليس مجرد جغرافيا، بل ممر طاقة محتمل

منطقة نفوذ عسكري-أمني

وقاعدة لوجستية لمشاريع إقليمية كبرى

رابعاً: الربط مع الضغط العسكري والسياسي

في هذا الإطار، يعيد عوض تفسير ما يجري في لبنان

فالتوحش الإسرائيلي في الجنوب لا يستهدف فقط المقاومة، بل لإعادة تشكيل البيئة حول نقاط مثل الزهراني

الضغط السياسي (ملف السلاح والتفاوض) يهدف إلى نزع العوائق أمام إعادة توظيف هذه الجغرافيا ومحاولات خلق الانقسام الداخلي تسهّل تمرير هذا التحول دون مقاومة شاملة

خامساً: العلاقة مع سيناريو “الإنزال”

عند إدخال فرضية الإنزال العسكري، تصبح هذه النقاط أكثر وضوحاً في أهميتها

أي إنزال محتمل لن يكون عشوائياً بل سيستهدف نقاطاً ساحلية ذات قيمة استراتيجية

مثل مرافئ أو مناطق قريبة من منشآت الطاقة أو خطوط النقل

وهنا الزهراني قد تكون هدفاً لضبط الجنوب ومفاصله

البداوي قد تشكّل مدخلاً شمالياً لربط الساحل اللبناني بالسوري

سادساً: الربط مع رؤية توماس براك

عندما تحدّث توماس براك عن أن المنطقة وخاصة سوريا التي تمثل “فرصة” وليس أزمة، فإن عوض يقرأ هذا التصريح ضمن هذا السياق بالذات “الفرصة” تعني إعادة استثمار الجغرافيا

والساحل (بما فيه لبنان) هو محور هذا الاستثمار

والنقاط مثل البداوي والزهراني هي مفاصل هذا المشروع

*سابعاً: سيناريو “تقاسم النفوذ” – الصفقة الأخطر*

في أحد أكثر محاور تحليله حساسية وعمقاً، يطرح عوض فرضية استراتيجية شديدة الخطورة، لكنها تتمتع بدرجة عالية من “المعقولية التحليلية”، وتتمثل في احتمال بلورة صفقة كبرى لتقاسم النفوذ بين الولايات المتحدة وإيران، تُعاد من خلالها هندسة الإقليم على أسس جديدة.

جوهر هذا السيناريو يقوم على مقايضة جيوسياسية واضحة المعالم تتلخص بمنح إيران دوراً مهيمنًا في الخليج، يتضمن اعترافاً بنفوذها الإقليمي، وربما صيغة إدارة مشتركة لمضيق مضيق هرمز بما يضمن تدفق الطاقة واستقرار الأسواق.

مقابل ذلك، تتخلى إيران عن دورها في لبنان وساحل الشام، أو على الأقل تقبل بتراجع نفوذها فيهما، لصالح إدارة أمريكية مباشرة أو غير مباشرة عبر حلفاء مثل إسرائيل أو تركيا.

في هذا الطرح، لا يُنظر إلى الصفقة كاتفاق تقليدي، بل كـ إعادة توزيع للوظائف الجيوسياسية إذ تتحول إيران إلى قوة ضابطة لإيقاع الخليج،

بينما الولايات المتحدة تعيد تركيز ثقلها على ساحل الشام بوصفه الجائزة الكبرى.

*منطق الصفقة: لماذا قد تبدو مغرية للطرفين؟*

بحسب قراءة عوض، يحمل هذا السيناريو عناصر إغراء لكل طرف:

1. بالنسبة لواشنطن:

- تخفيف كلفة الانخراط المباشر في الخليج

- ضمان تدفق الطاقة دون انخراط عسكري واسع

- التفرغ للسيطرة على الجغرافيا الأهم: شرق المتوسط وساحل الشام.

- تحقيق لمشروع ترمب - براك في الشرق الأوسط.

2. بالنسبة لطهران:

- تثبيت اعتراف دولي بنفوذها في الخليج

- كسر جزئي لمنظومة الحصار

- تحويل موقعها من “قوة مهدَّدة” إلى “شريك إقليمي مُعترف به”

*الإشكالية الجوهرية: هل تستطيع إيران القبول؟*

هنا ينتقل عوض إلى النقطة المفصلية في تحليله، حيث يعتبر أن هذه الصفقة—رغم إغراءاتها—تصطدم بعقبة بنيوية عميقة في الحالة الإيرانية.

فالمسألة، برأيه، ليست مجرد قرار سياسي يمكن اتخاذه وفق حسابات الربح والخسارة، بل ترتبط بـ:

1. البنية العقائدية

إيران، وفق نموذج “ولاية الفقيه”، لا ترى علاقتها بساحات مثل لبنان كملف نفوذ قابل للمساومة، بل كجزء من مشروع عقائدي و التزام أيديولوجي هو

امتداد لهويتها السياسية

وبالتالي، فإن “التخلي” لا يعني خسارة جغرافيا فقط، بل ضرب شرعية مشروع ولاية الفقيه من أساسه.

2. كلفة التضحيات

بعد عقود من الاستثمار العسكري والسياسي و آلاف القتلى وحصار الموارد وبعد بناء شبكات نفوذ معقدة كل ذلك يجعل أي “انسحاب” يبدو كـ انهيار استراتيجي لا مجرد إعادة تموضع.

3. تداعيات الدومينو

يحذر عوض من أن القبول بهذه الصفقة لن يتوقف عند لبنان، بل سيؤدي إلى تراجع النفوذ الإيراني في العراق و فتح الباب لضرب الامتداد نحو اليمن

أي أن التخلي عن “ساحل الشام” قد يطلق سلسلة انهيارات متتالية.

*كيف قد تتصرف إيران؟*

في ضوء ذلك، يطرح عوض ثلاثة احتمالات لرد إيران:

1. الرفض الحاسم:

أي التمسك بساحات النفوذ

الاستعداد لتصعيد المواجهة

وإفشال أي محاولة لفرض الصفقة. هذا الخيار يعني: استمرار الحرب وربما توسعها

2. المناورة التكتيكية :

أي إظهار مرونة تفاوضية

لكسب الوقت وتقديم تنازلات شكلية دون المساس بالجوهر

هنا تستمر اللعبة ضمن نموذج تفاوض بلا تنازل استراتيجي.

3. القبول الجزئي (الأضعف احتمالاً في طرح عوض)

إعادة توزيع النفوذ بشكل محدود دون التخلي الكامل عن لبنان لكنه يعتبر هذا الخيار صعب التحقيق بسبب التعقيدات العقائدية والسياسية

*البعد الأخطر: ماذا لو نجحت الصفقة*

يرى عوض أن أخطر ما في هذا السيناريو ليس مجرد إعادة توزيع النفوذ، بل نتائجه بعيدة المدى:

- انتقال السيطرة على ساحل الشام إلى محور غربي/إسرائيلي/تركي

- التحكم بممرات الطاقة نحو أوروبا

- عزل القوى الآسيوية (الصين وروسيا) عن منفذ استراتيجي حيوي.

*ثامناً: القبول بالصفقة كمدخل إلى “إسقاط إيران”*

يذهب ميخائيل عوض في هذا المحور إلى استنتاج بالغ الخطورة أن أخطر ما في سيناريو تقاسم النفوذ مع الولايات المتحدة ليس ما يمنحه لإيران، بل ما ينزعه منها في العمق. فقبول طهران—نظرياً—بالتخلي عن لبنان وساحل الشام مقابل تثبيت نفوذها في الخليج وإدارة مشتركة لـ مضيق هرمز، لا يُقرأ كإنجاز استراتيجي، بل كـ بداية مسار تفكك داخلي قد ينتهي بإسقاطها.

فقوة إيران لا تقوم فقط على الجغرافيا أو القدرات العسكرية، بل على تركيبة مركّبة تجمع بين العقيدة والامتداد الإقليمي. هذا الامتداد—خصوصاً في لبنان والعراق—ليس مجرد نفوذ خارجي، بل يشكّل عمقاً دفاعياً متقدماً ورصيداً رمزياً لعقيدة “نصرة المستضعفين”

ودليلاً عملياً على صدقية مشروعها

وبالتالي، فإن التخلي عنه لا يعني خسارة موقع، بل ضرب الأساس الذي تستند إليه شرعية النظام نفسه.

*آلية “الإسقاط من الداخل” كما يطرحها عوض*

يرى عوض أن الصفقة—إذا قُبلت—لن تكون نهاية الصراع، بل بداية مرحلة جديدة من الاستهداف المركّز لإيران من الداخل، عبر سلسلة مترابطة من التداعيات:

1. ضرب المصداقية العقائدية

التخلي عن حلفاء قاتلوا لعقود تحت مظلة المشروع الإيراني سيؤدي إلى التشكيك في “ولاية الفقيه” كمرجعية قيادية و

اهتزاز الثقة بين القيادة وقواعدها وتفكك الرابط العقائدي الذي يربط الداخل بالخارج

أي أن النظام سيفقد أحد أهم مصادر شرعيته: الالتزام العقائدي لا البراغماتي.

2. تفكيك شبكة الحلفاء

الانسحاب من لبنان وساحل الشام سيُقرأ من قبل الحلفاء

كإشارة إلى إمكانية التخلي عنهم لاحقاً، ما يعني تفكك المحور من أطرافه قبل مركزه

3. فتح الجبهة الداخلية

بعد إضعاف الشرعية الخارجية، يصبح الداخل الإيراني أكثر عرضة لـ احتجاجات سياسية واجتماعية وصراعات داخل النخبة الحاكمة ومع استثمار خارجي لهذه التوترات يتحقق الهدف بنقل المعركة من الحدود إلى الداخل الإيراني.

4. تسريع نموذج “الانهيار المتدرج”

يقارن عوض هذا المسار بما جرى في تجارب سابقة، حيث لم يحدث السقوط دفعة واحدة، بل عبر تنازلات أولية

ثم تآكل تدريجي للنفوذ

ثم انفجار داخلي

أي أن الصفقة لن تُسقط إيران فوراً، بل ستضعها على مسار زمني قصير نحو الانهيار.

المفارقة التي يبرزها عوض هي أن ما قد يبدو “مكسباً” لإيران—أي الاعتراف بنفوذها في الخليج—قد يكون في الواقع

فخاً استراتيجياً يهدف إلى تفريغها من عناصر قوتها الحقيقية مقابل مكاسب قابلة للاحتواء لاحقاً

الخليج يمكن تطويقه أو تقاسمه لاحقاً لكن خسارة ساحل الشام تعني خسارة القدرة على التأثير خارج الحدود

ويصل عوض إلى نتيجة واضحة

قبول إيران بصفقة تقاسم النفوذ لا يعني نهاية الصراع،بل بداية مرحلة “إسقاط ناعم” يتحول تدريجياً إلى سقوط فعلي.

وبالتالي، فإن القيادة الإيرانية إذا قرأت المشهد بهذه الزاوية ستدرك أن الخيار ليس بين:

مكسب في الخليج مقابل خسارة في الشام

بل بين: الحفاظ على بنية المشروع كاملة أو

الدخول في مسار تفكك قد ينتهي بفقدانها كقوة إقليمية

ومن هنا، يفسر عوض سبب تمسك إيران—حتى الآن—بساحاتها الخارجية، واعتبارها أن المعركة على لبنان وساحل الشام ليست معركة نفوذ، بل معركة وجود وهوية ومصير.

*تاسعاً: سيناريوهات المرحلة القادمة – “خمسة عشر يوماً حاسماً”*

في تقدير عوض، لا تمثّل الأيام الخمسة عشر المقبلة مجرد مهلة زمنية عابرة، بل تشكّل نافذة حاسمة لإعادة ترتيب التوازنات، حيث تتكثف فيها الضغوط العسكرية، والمناورات التفاوضية، والحرب النفسية، تمهيداً للانتقال إلى أحد ثلاثة مسارات كبرى سترسم ملامح المرحلة التالية.

*أولاً: سيناريو “التهدئة الممتدة” – إدارة الصراع بدل حسمه*

يقوم هذا السيناريو على نجاح الأطراف، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإيران، في احتواء التصعيد دون حله، عبر القبول بتسويات جزئية ومؤقتة، قد تشمل ترتيبات مرتبطة بـ مضيق هرمز، أو تخفيف الاحتكاك في بعض الساحات.

في هذا المسار يتم خفض وتيرة العمليات العسكرية دون وقفها بالكامل

وتُستخدم الهدنة كغطاء لإعادة التموضع وإعادة بناء القدرات

ينتقل الصراع من الحالة الساخنة إلى “صراع بارد” متعدد الأدوات (عقوبات، ضغوط سياسية، حروب بالوكالة).

هذا السيناريو لا ينهي الحرب، بل يُطيل أمدها ضمن سقوف مضبوطة، ويمنح كل طرف فرصة لالتقاط الأنفاس دون تقديم تنازلات كبرى.

*ثانياً: سيناريو “الصفقة الكبرى” – إعادة توزيع النفوذ*

هنا تبرز فرضية الانتقال إلى تفاهم استراتيجي واسع يعيد رسم خريطة النفوذ في الإقليم، بحيث يتم منح إيران دوراً معترفاً به في الخليج

مقابل إعادة تموضعها أو تراجعها في ساحات المشرق، خصوصاً لبنان وساحل الشام، لصالح نفوذ غربي/إسرائيلي/تركي

غير أن ميخائيل عوض يبدي تشككاً عميقاً في إمكانية تحقق هذا السيناريو، ليس فقط بسبب التعقيدات السياسية، بل نتيجة العامل العقائدي الإيراني، الذي يجعل من الصعب على طهران التعامل مع هذه الساحات كأوراق قابلة للمقايضة.

وفق هذا التقدير أي قبول إيراني بهذه الصفقة قد يفتح مساراً خطيراً نحو تفكك داخلي

لذلك، تميل إيران—في الأغلب—إلى المناورة دون الذهاب إلى تنازل استراتيجي حاسم.

*ثالثاً: سيناريو “الانفجار الكبير” – فشل التفاوض واتساع الحرب*

يمثل هذا السيناريو النتيجة الطبيعية لفشل المسارين السابقين، حيث تنهار المفاوضات أو تُستخدم كغطاء أخير قبل التصعيد و تتوسع رقعة الاشتباك لتشمل لبنان كساحة مركزية والخليج كمسرح حيوي للطاقةوربما تدخلات مباشرة أو شبه مباشرة من قوى كبرى

في هذا المسار تتحول الحرب من مواجهة محدودة إلى صراع إقليمي مفتوح وتتزايد احتمالات الانخراط العسكري المباشر لتصبح كل الجبهات مترابطة ضمن معادلة واحدة

وهو السيناريو الذي يرى عوض أنه يبقى قائماً بقوة إذا فشلت محاولات الاحتواء أو فُرضت شروط غير قابلة للقبول.

في الخلاصة الاستراتيجية للمرحلة يختصر ميخائيل عوض هذه المرحلة بأنها لحظة مفصلية بين ثلاث طرق:

- إما تجميد الصراع دون حله (التهدئة الممتدة)

- أو إعادة رسمه عبر صفقة كبرى (وهو احتمال ضعيف نسبياً)

- أو تفجيره على نطاق أوسع (الانفجار الكبير)

لكن الأهم في طرحه أن هذه السيناريوهات ليست منفصلة تماماً، بل يمكن أن تتداخل زمنياً

تبدأ بتهدئة تتخللها محاولات صفقة وتنتهي—إذا فشلت—بانفجار.

وبالتالي، فإن الأيام الخمسة عشر ليست نهاية المسار، بل بداية مرحلة ستحدد اتجاه الحرب: إدارة طويلة… أم إعادة رسم… أم حسم بالنار.

*خاتمة:*

تخلص القراءة التي يقدمها ميخائيل عوض إلى أن المنطقة تقف عند مفترق استراتيجي غير مسبوق، حيث تتداخل فيه أدوات الحرب والتفاوض وإعادة التموضع في لحظة واحدة، بما يجعل من الصعب الفصل بين الميدان والدبلوماسية، أو بين الخطاب السياسي والهندسة الجيوسياسية العميقة.

فالمعادلة التي تُرسم اليوم لا تتعلق فقط بتسوية نزاع قائم، بل بـ إعادة تعريف من يملك القدرة على التحكم بمفاصل الإقليم الحيوية: من الخليج كمصدر للطاقة، إلى ساحل الشام كممر حاكم، إلى المشرق كفضاء لإعادة توزيع النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية.

وفي قلب هذا التحول، يبقى ساحل الشام هو “الجائزة الكبرى” التي تختزل منطق الصراع كله، لأنه يمثل النقطة التي تتقاطع فيها الطاقة مع الجغرافيا، والاقتصاد مع الأمن، والإقليم مع النظام الدولي.

أما السيناريوهات المطروحة—من تهدئة ممتدة إلى صفقة كبرى أو انفجار واسع—فهي، في جوهرها، ليست مسارات منفصلة، بل درجات مختلفة في عملية واحدة: إعادة تشكيل ميزان القوة في المنطقة على قاعدة من يحكم الممرات، لا من يملك الموارد فقط.

لكن ما يجعل المرحلة القادمة أكثر خطورة هو أنها لا تبدو محسومة مسبقاً، بل مفتوحة على احتمالات متداخلة، حيث يمكن أن تبدأ بتهدئة وتنتهي بانفجار، أو تُدار كصفقة وتتحول إلى صراع، أو تُفرض بالنار ثم تُشرعن بالتفاوض.

وهكذا، تضع الحلقة العالم أمام لحظة اختبار كبرى هل يتجه الشرق الأوسط نحو تسوية تاريخية تعيد توزيع النفوذ بشكل مستقر، أم نحو صدام طويل يعيد إنتاج الفوضى كأداة لإعادة الرسم.

في كلتا الحالتين، يبقى الثابت الوحيد أن ساحل الشام والأيام القادمة ليسا تفصيلاً في المشهد، بل مركزه الحقيقي وميزانه الحاسم.

بتاريخ: 13.04.2026

لمتابعة الحلقة كاملة على الرابط

https://www.youtube.com/live/PeLpiYgqQL8