كتبت ليلى عماشا: "إعلامٌ يحتَفي بِالعار"!
شهِدَ لبنانُ يومَ أمسِ عِرسًا إعلاميًا على مستوى القنواتِ والمؤسساتِ الحالمةِ بالتطبيعِ،والعاملةِ في سبيل فرضه أمرًا واقعًا.
في الواقع، احتفى إعلام التصهين الصريح هذا بمشهدٍ يجمعُ علمَ لبنانَ مع علمِ الـعـدوّ في قاعةٍ تفاوضيةٍ،تحت النّار، وفوق جثث وأشلاء ودمــ..ــاء أكثر من ٢١٢٤ شهــ.ـيدًا لبنانيًا منذ الثاني من آذار/مارس فقط، وعلى وقع أصوات القـ..ــصـ.ــف والغـ..ـارات التي لم تهدأ ولو على سبيل حفظ ماء وجه المفاوضين "اللبنانيين" والسلطة التي أوفدتهم.
رأى هذا الإعلام أن الأولوية الإخبارية تكمن في نقل كل بنت شفة أميركية أو "إســـ.ـرائــيـلية" في ما يتعلّق بجلسة العار المزدوج في واشنطن: عار التفاوض المباشر سعيًا لما يسمّونه زورًا "السلام" بقرار اتخذته السلطة بمعزل عن رأي الأكثرية العظمى من اللبنانيين الذين يرفضون ذلّ الاستسلام للعـ..ـدوّ، وعار الدونية البغيضة التي اتّسم بها الوفد الذي اقتصر دوره على الانبطاح والإصغاء للشروط "الإســـ.ـرائــيـلية" التي تمعن في إذلال السلطة الخاضعة لها والتي كانت قد ترجّت بدبلوماسية طبعًا الـ.ـعـ..ــدو أن يرتضي قبول التفاوض معها، في مسرحية يمكن تسميتها "فيلم أميركي طويل" على غرار رائعة المبدع الراحل زياد الرحباني.
إذًا، لعبت قناة MTV دور أمّ العريس في تغطية مشهد العار، وهو بالطبع يليق بها بعد جهود متواصلة تبذلها منذ سنين، من تضليل وتحريض ومعاداة صريحة للأرض وللناس في البلد، في سبيل بلوغ هذا اليوم، اليوم الذي ينكسر فيه محظور التلاقي العلني بين لبنان و"إســـ.ـرائــيـل". وفيما كان مراسلها في واشنطن، ينشر عبر مواقع التواصل حمـ.ـاسه البالغ في "يوم استثنائي يُكتب في ذاكرة الوطن"، اجتهد محرّرو القناة في صياغة الأخبار العاجلة التي تنقل "الحدث" بصورة توحي بأن لبنان على بعد خطوة واحدة من الجنّة، وتخصّص فيديو للحظة دخول السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى معوّض برفقة "نظيرها الإســـ.ـرائــيـلي" قُبيل بدء جلسة التفاوض فيما يعلو صوت المراسل وهو ينقل الخبر متأثرًا بجمالية اللحظة!
بالمختصر، كانت تغطية MTV لثلاثاء العار تستحقّ بدون أدنى شك عنوانًا كـ"هرمنا من أجل هذه اللّحظة التاريخية"، الذي بدا أنّه غاب عن ذهن القناة، وهي معذورة فالفرح، ولو بالمذلّة، يغيّب الكلمات المناسبة عن الذهن.
ولما لم تكن MTV القناة الوحيدة المعنية بتغطية هذا الخزي المشهود، فقد شاهد اللبنانيون علم الـ.ـعـ..ــدو يرفرف بلهفة في خلفيات النشرات الإخبارية ومنها نشرة LBCI التي أرفقت الخلفية بعنوان: "لبنان في واشنطن... انتهى زمن الوصاية"، بما يشي بأنّ المحرّر في القناة أخطأ فهم معنى الوصاية أصلًا، إذ إنّ المشهد بكلّ تفاصيله يترجم الوصاية الأميركية على لبنان والتي تحاول جرّه عبر السلطة الخاضعة لها إلى أن يصبح "إســـ.ـرائــيـليًا".
في السياق نفسه، كانت مقدّمة النشرة الإخبارية أشبه باحتفاء بحدث طال انتظاره، ولا سيّما بصورة الحدث التي اعتبرتها القناة "أهمّ من أي مضمون راهنًا"، فهي تأتي بعد ٤٣ عامًا من الفراق القصريّ الذي لم يكن فيه اللقاء المباشر ممكنًا، واعتبرت أنّ "الحدث التاريخي هو خطوة أولى في مشوار الألف ميل". شرّ البليّة ما يضحك! كيف يحتفي عاقل ذو حدّ أدنى من الكرامة الإنسانية بصورة تجمعه ذليلًا خاويًا إلى عـ..ـدوّه، يستجدي التفاوض ولا يتجرأ على مناقشة الشروط "الإســـ.ـرائــيـلية" المذلّة، بعد سنين من العزّة التي سطّرتها المـقـاومة بدمــ..ــاء خيرة الرجال، ووهبت فيها "لبنان الرسمي" مجانًا وبدون منّة فرصة أن يكون ندًّا حاضرًا وقويًا في محضر الدّول!
على مستوى الصحافة المكتوبة، تقاسمت كلّ من "نداء الوطن" و"النهار" مهمّة نقل مجريات الجلسة التي اعتبرتها السفيرة معوّض جلسة تمهيد ووصفتها بالإيجابية، فيما تجاهل كتّاب ومحرّرو الصحيفتين الأخبار التي وردت عن الشروط الإســـ.ـرائــيـلية للقبول أصلًا بالتفاوض والتي لا تنازل عنها ومنها تقسيم لبنان إلى ثلاث مناطق: منطقة عازلة تمتد حوالي ٨ كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، ولا عودة للنازحين إليها أبدًا، منطقة تتضمّن جنوب نهر الليطاني، وتكون منطقة عـــ..ــمـلـيـات عسـ..ـكرية "إســـ.ـرائــيـلية" يبقى الجيش "الإســـ.ـرائــيـلي" فيها حتى يقرر إتمام المهمة،ومنطقة تمتد من شمال الليطاني إلى بقية لبنان يتوجّب على الجيش اللبناني تفكيك حـ.ـزب الله فيها بشكل مستقل، بالإضافة طبعًا إلى الشرط الأساسي والذي يقول أن لن يكون هناك انسحاب "إســـ.ـرائــيـلي" كامل حتى يتم القـ.ـضاء على حـ.ـزب الله.
على صعيد آخر، وطبعًا بحسب القنوات الإعلامية المتصهينة، جرى الحديث أنّ الوفدين اللبناني و"الإســـ.ـرائــيـلي" متفقان على "تحرير لبنان من جماعة حـ.ـزب الله"، ومن "إيران"، وبالتالي، وجد المتابعون لجلسة العار هذه أنّ الوفدين هما في الواقع طرف واحد يعادي المـقـاومة، أي يعادي الناس وأرضهم، ويحاول تسويغ وشرعنة قـ..ـتلهم وتهجيرهم وتدمـ..ـير بيوتهم وقراهم، ويتوقّع منهم الرضوخ الكامل والاستسلام..
"من يهن يسهل الهوان عليه"، بهذا الشطر فقط يمكن وصف مشهد جلسة العار في واشنطن أمس، والتي كأيّ سابقة لها، علنية أو سريّة، لا تساوي الحبر الذي كُتبت به محاضرها، فعلى أرض الواقع، يعلم الـ.ـعـ..ــدو علم اليقين أن على هذه الأرض رجالًا لا يشبهون أولئك الذي يحتفون بمشاهد الذلّ "الدبلوماسي"، رجالًا يكتبون خاتمة المعركة على وقع صرخات الرعب المخزية التي يطلقها جنود "غولاني" و"غفعاتي" وغيرهم في أرض النزال، ولا ينصتون لما تتداوله ألسنة الحفاة من الكرامة وهم يلهثون خلف رضا الأميركي وشروط"الإســـ.ـرائــيـلي" تحت مُسمّى:
"الدبلوماسية".
سيكثرُ الكلامُ عن التفاوض، عن جدوى الاستسلام، عن ضرورةِ الخضوع، عن شرعنةِ الذُّلِّ وقوننةِ التعامل مع العدو، لكنّه سيظلّ مجرّد "صفّ حكي" لا ترجمة له في الواقع، حيث وحده الميدان يتكلّم، والكلّ ينصت وأوّلهم جنود العِدا!