على حافة النار … هدنة لبنان بين صمود الميدان وتعقيدات السياسة
مقالات
على حافة النار … هدنة لبنان بين صمود الميدان وتعقيدات السياسة
وائل المولى
17 نيسان 2026 , 16:35 م

‏في الشرق الأوسط، لا تأتي الهدنة بوصفها نهايات للحروب، بل كفواصل قصيرة بين جولات أكثر تعقيدا. وما جرى في لبنان ليس استثناءً، بل نموذج مكثف عن لحظة إقليمية مشحونة، حيث تداخلت حسابات الميدان مع رهانات السياسة، وفرضت توازنات القوة إيقاعها على قرار وقف إطلاق النار في اللحظة الأخيرة.

‏لم يكن إعلان الهدنة تفصيلاً عابراً، بل جاء في ذروة اقتراب المنطقة من انفجار واسع .

‏ تشير المعطيات إلى أن الساعات الأخيرة سبقت القرار كانت حبلى باحتمالات التصعيد الشامل، لوفشلت الجهود الباكستانية. 

‏ومع ذلك، لم يكن التراجع هو العنوان، بل تعليق مؤقت للنار، استجابةً لتفاهمات غير مكتملة، وضغوط دولية تلاقت مع واقع ميداني فرض نفسه بقوة.

‏ما تحقق فعليا ليس وقفا للحرب، بل هدنة مؤقتة محددة بعشرة أيام، تُدار خلف الكواليس عبر قنوات تفاوض غير مباشرة، في مقدمتها المسار الأمريكي–الإيراني. هذا البعد وحده كفيل بكشف هشاشة الاتفاق، إذ إن استمراره لا يرتبط فقط بالوضع الميداني في الجنوب اللبناني، بل بمصير التفاهمات الكبرى التي تُصاغ خارج حدوده.

‏ميدانيا، لم تتمكن إسرائيل من تحقيق أهدافها الاستراتيجية، ولم تنجح في فرض معادلات جديدة، رغم استمرارها في التصعيد حتى اللحظات الأخيرة. في المقابل، أظهرت المقاومة قدرة واضحة على الصمود وتثبيت توازن الردع،ولعل ماجرى في مدينة بنت جبيل خير دليل وهذا ما دفع اسرائيل نحو القبول بوقف إطلاق النار تحت ضغط الواقع، لا نتيجة تسوية مكتملة. وبين هذين الحدّين، تشكّلت هدنة تعكس عجز اسرائيل عن الحسم، والقدرة على إنهاء الصراع.

‏بل أن اسرائيل تعول على الحكومة اللبنانية أو على فتنة داخلية إانجاز ماعجزت عنه .

‏في الداخل اللبناني، عكست مواقف رسمية، وفي مقدمتها دعوة رئيس مجلس النواب نبيه بري، حجم القلق من هشاشة المرحلة. فالدعوة إلى التريث في العودة إلى القرى لم تكن تفصيلاً إجرائيا، بل مؤشرا على إدراك عميق بأن الميدان لا يزال مفتوحا على احتمالات الانفجار، خصوصًا مع اتساع رقعة التماس وغياب آليات واضحة لمراقبة تنفيذ الاتفاق.

‏تتضاعف عوامل الهشاشة مع ما أُثير حول منح إسرائيل هامش حركة خلال فترة الهدنة، ما يفتح الباب أمام خروقات قد تعيد الأمور إلى نقطة الصفر. في المقابل، تجد المقاومة نفسها أمام معادلة دقيقة في الحفاظ على الردع دون الانزلاق إلى استنزاف طويل، مع إبقاء الجهوزية الكاملة لأي تحول مفاجئ.

‏إقليميا، تتقاطع الروايات حول ما جرى. واشنطن تقدّم الهدنة كإنجاز دبلوماسي، فيما ترى طهران أنها نتيجة مباشرة لتوازن القوة. وبين هذين الموقفين، تتكشف حقيقة أعمق وهي أن لبنان بات جزءا من مسار تفاوضي أوسع، تتداخل فيه ملفات المنطقة، من الأمن إلى الطاقة، وصولا إلى إعادة رسم خرائط النفوذ.

‏العوامل التي تحيط بالهدنة تجعلها أقرب إلى اختبار مؤقت منها إلى اتفاق مستقر و ارتباطها بالتفاهم الأمريكي–الإيراني، محدوديتها الزمنية، غياب آليات الرقابة، احتمالات الخرق الإسرائيلي، واتساع نقاط الاحتكاك. كلها مؤشرات على أن ما جرى ليس نهاية لمسار، بل إعادة تموضع ضمن صراع مفتوح.

‏في الخلاصة، الهدنة الحالية ليست سلاما بقدر ما هي انعكاس لمعادلة قوة فرضها الميدان. أما الحسم الحقيقي، فلن يتحدد في الجنوب اللبناني وحده، بل في مسار التفاهمات الكبرى بين واشنطن وطهران، حيث تُرسم حدود الحرب… أو نهايتها .

المصدر: موقع اضاءات الإخباري