كيف عاشت تونس النكسة في حيزران / جوان 1967؟
مقالات
كيف عاشت تونس النكسة في حيزران / جوان 1967؟
منصف سلطاني / تونس
19 نيسان 2026 , 22:14 م

* منصف سلطاني / تونس

تميّزت العلاقات الديبلوماسية بين تونس ومصر بالتوتر وعدم الاستقرار.فكانت علاقات الدولتين تتسم بالتقارب و بالقطيعة أحيانا أخرى. وتعود جذور العلاقات التونسيّة المصريّة في الفترة المعاصرة إلى سنوات الأربعينات حين قام الزعيم الحبيب بورقيبة بالتحوّل إلى مصر في مارس 1945 قصد التعريف بالقضيّة التونسيّة في المشرق وعرضها على أنظار الجامعة العربية فور تأسيسها ثمّ مكتب المغرب العربي بالقاهرة (الذي عقد مؤتمره التأسيسيّ يوم 15 فيفري 1947م بحضور الأمين العام للجامعة، عبد الرحمن عزام باشا). وقد عاد بورقيبة من مصر يوم 08 سبتمبر 1949.

ورغم قطع العلاقات بين البلدين الشقيقين بعد الخطاب الشهير الذي ألقاه الرئيس الحبيب بورقيبة في أريحا يوم 03 مارس 1965 إلاّ أنّ ذلك لم يُثنِ تونس عن تقديم التضامن والمساندة لمصر إبّان الأزمات. و خير دليل على ذلك مساندة تونس لمصر في كل الحروب التي نشبت بينها وبين الكيان الصهيوني، بدءا بالعدوان الثلاثي على قناة السويس في خريف 1956، مرورا بحرب حيزران / جوان 1967، وصولا إلى حرب "الكيبّور" (عيد الغفران) وملحمة العبور في 6 تشرين/ أكتوبر1973، حيث قدّمت تونس في هذه الحروب الثلاثة المساندة المعنوية والماديّة والعسكرية لمصر رغم توتر العلاقات الديبلوماسيّة بين البلدين بسبب اختلاف رؤى الزعيمين جمال عبد الناصر والحبيب بورقيبة من القضية المركزية، فلسطين.

ويعود سبب قطع العلاقات بين تونس ومصر إثر إلقاء الرئيس الحبيب بورقيبة خطابه الشهير في مدينة أريحا الفلسطينيّة يوم 03 مارس 1965 الذي عبّر فيه عن رأيه بخصوص مسألة الصراع العربي مع الكيان الصهيوني بقوله: » ... و قد أكدت في الكلمة التي ألقيتها في مؤتمر القمة العربية الأول أن تونس تسخر كل إمكانياتها لتدعيم الصف العربي و للخروج من هذه المعركة الفاصلة و النصر المبين يكلل جبيننا، لكن ما أريد أن ألفت إليه نظركم أصحاب الحق السليب كما كنا نحن أصحاب الحق الذي استبد به الاستعمار في تونس هو أنه يجب أن تكونوا في الصف الأول من هذه الواجهة التي تعمل على حماية فلسطين أنني أصارحكم بما اعتقده في قرارة نفسي و ما آمنت به من بعد تجربتي في الكفاح من أجل التحرر و الانعتاق التي دامت 34 سنة فإن دوركم في المعركة هو الدور الأول، و هذا ما يجب أن تضعوه نصب أعينكم و في قرارة نفوسكم و عقولكم، و إذ أخاطب في هذه اللحظة الأمة العربية و كل العرب الذين يعتبرون هذه القضية قضيتهم أريد أن ألفت نظركم إلى تجربتي الشخصية في كفاحي الطويل أكدت لي أن العاطفة المشبوبة والأحاسيس الوطنية المتقدة، التي أرى نموذجا حيا منها على وجوهكم لا تكفي لتحقيق الانتصار على الاستعمار فهي و إن كانت شرطا أساسيّا و ضروريا غير كافية، بل لا بد مع الحماس و الاستعداد للتضحية و الموت و الاستشهاد من قيادة موفقة تتحلى بخصال كثيرة و لا بد من رأس يفكر و يخطط و ينظر إلى المستقبل البعيد. و الكفاح المركز يقتضي فهم نفسية العدو و معرفة إمكانياتنا الحقيقية و تقدير إمكانيات الخصم و ضبطها بأكثر ما يمكن من الموضوعية و التحري و التثبت حتى لا نرتمي في مغامرة أخرى تصيبنا بنكبة ثانية و تعود بنا أشواطا بعيدة إلى الوراء هذا ما يجب أن نفكر فيه و نقرأ له حسابه و لذا لا بد لنا من الصبر و من التخطيط و من توفير الأسباب و تهيئة البشر و العتاد و حشد الأنصار و الحلفاء و يجب أن نعطي لهذا العمل وقتا كافيا و أن لا نتسرع و نرتمي في المعركة الحاسمة قبل أن نوفر أكثر ما يمكن من أسباب النجاح على أننا مهما وفرنا من هذه الأسباب فلا بد لنا من أن نتكل على الله فنحن على حق و الحق يعلو و لا يعلى عليه. إن توفير أسباب النجاح من خصائص القادة والزعماء والمسؤولين وهذه الأسباب كانت تنقصنا في السنين الماضية حين خضنا المعركة و سنعمل إن شاء الله بكد و جد وإخلاص و صدق على توفيرها للمعركة المقبلة وسيكون هذا نصب أعيننا في ندوات القمة و في الاجتماعات التي تليها و في كل أعمالنا الإيجابية. و علينا أن ننتفع بالتجارب السابقة و أن نمعن النظر لكي نتمكن من ضبط المعطيات التي تتغير و تتطور بتطور الزمن و من ضبط القوى التي يمكن أن نعتمد عليها و القوى التي يستند إليها العدو و لقد بدأنا هذا العمل الإيجابي و لكنه لم ينته بعد وهو يحتاج إلى جانب عظيم من الصدق والإخلاص والجدية و الشجاعة الأدبية ...« .

لقد اعتبر الزعيم الحبيب بورقيبة أنّ الحل الوحيد هو القبول بما يسمح به القانون الدولي أقل من نصف أرض فلسطين. واعتبر في السيّاق ذاته أنّ حرب العرب 1948 جعلت "إسرائيل" تتوسع على حساب الأراضي الفلسطينيّة،ولكن من الصعب جدّا أن يتم إرغامها على إرجاع ما استولت عليه بقوّة السلاح. ومن وحي التجربة التونسيية في المفاوضات مع فرنسا أضاف قائلا: » ... و ما كنا لننجح في تونس خلال بضعة سنوات لولا أننا تخلينا عن سياسة (الكل أو لا شيء) و قبلنا كل خطوة تقربنا من الهدف رغم أن فرنسا كانت ترضى بها على أساس أنها أخف الضررين و ظنا منها أنها ستبقى و تضمن بذلك التوازن و ما بقي من نفوذها وسطوتها و استعمارها و كلما خطونا خطوة إلى الأمام ضيقنا الخناق على الاستعمار بالمظاهرات و المقاومة المسلحة و غيرها من الوسائل التي تضطره لقبول الخطوة الموالية باعتبارها أيضا أخف الضررين و هكذا إلى أن وجدت فرنسا نفسها في آخر معركة أعني معركة بنزرت حيث لم تجد بدا من الاندحار. أما هنا فقد أبى العرب الحل المنقوص و رفضوا التقسيم و ما جاء به الكتاب الأبيض ثم أصابهم الندم وأخذوا يرددون: ليتنا قبلنا ذلك الحل، إذن لكنا في حالة أفضل من التي نحن عليها ...«.

وفي أعقاب انهيار الجهود الديبلوماسيّة الدوليّة لحل الأزمة، بدأ القتال في حرب الستّة أيّام سنة 1967 بضربات جويّة إسرائيليّة مفاجئة دمرت كامل السلاح الجوّي المصري. وعلى الرغم من طلب الكيان الصهيوني من الأردن الكفّ عن مهاجمتها، فإنّ النظام الهاشميّ واصل رفقة سوريا قصف مواقع إسرائيليّة.

ولم يتوقف التوتّر بين الزعيمين التونسي والمصري بتحريض من مدير جهاز المخابرات المصرية، فتحي الذيب إلاّ يوم اندلاع الحرب العربية- الصهيونية الثانية يوم 5 جوان 1967. وما أن علم الرئيس الحبيب بورقيبة غبر الإذاعة بالهجمات الجويّة الصهيّونيّة على مصر، التي دمّرت القسم الأكبر من قواتها الجويّة على الأرض، أصدر بيانا رسميّا عبّر فيه عن تضامن تونس اللامشروط مع الشقيقة مصر. كما أرسل برقيّة مساندة إلى نظيره المصري جمال عبد الناصر جاء فيها: » ... إنّ تونس تضع إمكاناتها الماديّة والمعنويّة لتساند جهودكم وتؤازر كفاحكم ...«.

وفي السيّاق نفسه توجه الرئيس الحبيب بورقيبة إلى الشعب عبر الإذاعة والتلفزة التونسيّة جاء فيه ما يلي: » ... نحن مع أشقائنا العرب في كفاحهم ضدّ "إسرائيل" التّي تمثل الاستعمار ... .«

وفي يوم 6 جوان 1967 اتصل الرئيس جمال عبد الناصر ليشكره على موقفه. كما قرّرت الحكومة التونسيّة في ذلك فتح باب النطوّع لمساعدة مصر. وفي اليوم الموالي، أي 7 جوان 1967 ألقى الرئيس بورقيبة خطابا أمام الفيلق العسكري الذي أذن بتحوّله من تونس إلى مصر عبر البرّ لدعم مصر في الحرب وأسند قيادته إلى العقيد الصادق الشابي (ابن شاعر تونس الخالد، أبو القاسم الشابي)، من أهمّ ما جاء فيه: » ... العرب اليوم قلب واحد و إحساس واحد وعليكم أن تبذلوا من أجل خلاص فلسطين نفس التضحيات التّي بذلتموها من أجل سيادة تونس ...«. لكن ما إن وصل الفيلق إلى مدينة قابس في استعراض شعبي بتونس وكبرى المدن التي كان سيمرّ بها عبر الطريق الرئيسة رقم 1، حتى انتهت الحرب بهزيمة مصر بعد ستة أيّام فقط من اندلاعها، فاضطرّ الفيلق إلى العودة من حيث أتى.

لقد جعلت الحرب الرئيس بورقيبة ينحاز إلى قضايا الأمّة العربية ويعلن دعمه إلى مصر مؤكدا في كلمة له عشيّة الحرب أنّه على جميع الدول العربيّة أن تساند كفاح الشعب الفلسطيني بتقديم مساعدة جديّة وفعّالة. كما أكدّ أنّ موقف تونس واضح وشدّد على أنّ الخلافات تصبح أمرا ثانويّا أمام خطورة الوضع.

وقد أشاد الرئيس جمال عبد الناصر ذاته بموقف بورقيبة في مقابلة إذاعيّة بقوله عن بورقيبة:» ... هو الرجل الذي كان على صواب في كثير من الأحيان ...«.

وأمّا الموقف الشعبّي التونسي فقد كان متناغما مع مواقف السّلطة الرسميّة حيت تابعت مختلف فئات المجتمع باهتمام الأحداث التي شهدتها مصر في حرب 1967 ولم يكن التونسيّون غائبين، فما أن انتشر نبأ العدوان على مصر، حتى خرجت المسيرات حاشدة في الشوارع مساندة لمصر. وعرفت شواع تونس العاصمة احتجاجات و مظاهرات اتسمت بطابع عنيف واكتساح لحارة اليهود وحرق البعض من محلاتهم ومتاجرهم....، وهي أحداث لم تشهده الشوارع التونسية من قبل حتّى أيّام اعتداء الاستعمار الفرنسي على ساقية سيدي يوسف يوم 0/ فيري 1958 أو إبان معركة الجلاء بمدينة بنزرت بين 19 و 22 جويلية 1961. وفي هذا السياق ذكرت الصحف العربيّة و الأجنبيّة ما يلي :» ... إنّ الشعب التونسي يريد القتال مع الإخوة العرب... «.

ولم يقتصر موقف التونسيّين على التطوّع و تقديم مختلف أشكال المساندة، بل وصل إلى حدّ مناشدة الرئيس جمال عبد الناصر بالبقاء في السلطة عندما قدم استقالته يوم 9 جوان 1967 إثر هزيمة حرب الستّة أيام.

وعموما ورغم "النكسة"، فقد مثّلت حرب حيزران / جوان 1967 محطة فاصلة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني ساهمت في تقوية روابط التضامن و التآزر بين مختلف الشعوب العربية وفي مقدمتها الشعبين التونسي والمصري رغم توتر العلاقات الدبلوماسيّة بين نظامي البلدين غداة خطاب الرئيس بورقيبة بأريحا يوم 03 مارس 1965. كما سيتواصل الدعم التونسي للجيش المصري في حروبه ضد الكيان الصهيوني نصرة للقضية الفلسطيينة العادلة لاحقا إبّان أزمة أيلول/ سبتمبر 1970 بالأردن وخاصة خلال حرب تشرين/ أكتوبر 1973.

أستاذ وباحث في التاريخ المعاصر