”بين رجال يرابطون في الخنادق دفاعا عن الكرامة، وأصوات تذوب في أضواء صالات وأرصفة اللهو والفنادق."
”ليس كل من يسكن القصور حي الضمير، وليس كل من ينام في الخنادق فقير المصير؛ فبين البندقية والثرثرة، تكتب الأمم خرائط بقائها أو سقوطها."
في زمن تتداخل فيه الضوضاء مع الحقيقة، وتتشابك فيه صور الألم مع مشاهد الامبالاة، تتكشف أمام الوعي الإنساني مفارقة صارخة بين أعين لا يلتقيان إلا على حافة السؤال الأخلاقي. عالم يحمل ثقله على أكتاف من جعلوا من الخنادق امتحانا للكرامة، وعالم آخر يختبئ في شرفات الامبالاة وصالات الترف، بعيدا عن ارتدادات المأساة التي تهز الجغرافيا العربية والإسلامية.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز حضور الجمهورية الإسلامية الإيرانية بوصفها عنصرا فاعلا في معادلة إقليمية معقدة، إلى جانب المقاومتين الفلسطينية واللبنانية، وبمساندة يمنية ذات دلالة، في سياق صراع يتجاوز البعد العسكري إلى إعادة تشكيل مفهوم الردع والتوازن، في مواجهة عدوان ممتد يطال الإنسان والأرض والهوية في غزة وجنوب لبنان ومساحات أخرى. حيث نستبشر بالمقاومة الوطنية السورية لتحرير الجنوب السوري خيرا قادما أصبح قاب قوسين أو أدنى. فالعدو واحد، ولا بد من تعدد الجبهات والساحات. يتجسد المشهد الإقليمي اليوم في انقسام رمزي عميق بين مسارين متناقضين. المسار الأول يتمثل في جبهة جعلت من الخنادق فضاء للإلتزام السياسي والأخلاقي، حيث تتقدم طهران بوصفها فاعلا محوريا في هندسة مايمكن وصفه بمعادلة ”الإسناد المركب" الذي يجمع بين الدعم السياسي والعمق الاستراتيجي والتعاون العسكري والتقني غير المباشر، بما أسهم في إعادة ضبط ميزان الردع في الإقليم، وفتح هامش أوسع لحركة قوى المقاومة في لبنان وفلسطين إلى جانب اليمن الشقيق الذي يترجم حضوره في البحر الأحمر وساحات الاشتباك البعيد كجزء من هذا الإمتداد التفاعلي داخل بيئة صراع طويلة ومعقدة، حيث تتحول الجغرافيا إلى شبكة تفاعلات لا يمكن قراءتها بمعزل عن بعضها.
في المقابل يتشكل المسار الثاني في فضاء إجتماعي وإعلامي وثقافي مواز، تنشغل فيه بعض النخب أو الأصوات بمشاهد موائد البذخ الإعلامي والترف وتغوص في تفاصيل الفنادق وصالات السهر والسمر، وكأن مايحدث خارج هذه الدوائر لا يدخل في نطاق المسؤولية الأخلاقية أو حتى الاهتمام الإنساني العابر. وبين هذا الإنفصال الاختياري وبين الفجوة بين من يرى العالم بوصفه ساحة اختبار للضمير، ومن يراه مجرد مساحة استهلاك للحظة الراهنة دون امتداد أخلاقي أو تاريخي. وهناك يتعمق الشرخ المفاهيمي بين وعي يعتبر الخندق مساحة التزام وجودي تتقاطع السياسة مع الأخلاق، وبين حالة غياب لا تمس بنية الحياة اليومية، رغم أنها تعيد تشكيل مستقبل المنطقة بأكملها. إن هذا التناقض لا يقرأ فقط كاختلاف مواقف، بل كاختلاف في تعريف المسؤولية نفسها، وفي فهم معنى الإنتماء في لحظة تتطلب وضوحا أكثر من أي وقت مضى.
وهكذا، بين خنادق تصاغ فيها معاني الفداء تحت ضغط النار، وفنادق تستهلك فيها لحظات الغفلة بعيدا عن صدى المآسي، يتكشف وجه التاريخ بوصفه عملية فرز صارمة لا تحتمل الرماديات الطويلة. فالجمهورية بما تمثله من ثقل إستراتيجي داخل معادلة الإسناد الإقليمي، ليست مجرد طرف في مشهد سياسي، بل عنصر فاعل في إعادة تعريف توازنات القوة والردع، ضمن سياق تتداخل فيه الجغرافيا مع الإرادة السياسية والإصطفاف الاستراتيجي.
”فالحياد في زمن الانهيارات الكبرى، ليس دائما موقفا ثالثا بل قد يكون إسما آخر للتخلي المؤجل."
وفي المقابل، تتلاشى المواقف التي اختارت الإنكفاء إلى الظل المترف حين اشتد الامتحان، لأن التاريخ لا يحتفظ بزخرف القول بقدر مايحتفظ بثقل الفعل، ولا يمنح الذاكرة لمن اكتفى بالمشاهدة من بعيد دون أن يترك أثرا في لحظة الاختبار.
إن القبور مهما اختلفت مواقعها بين خندق أو قصر، تغلق على الجميع، لكن الذاكرة التاريخية تعيد ترتيب الأسماء وفق معيار واحد صارم: من حمل المعنى في لحظة الخطر، ومن تركه يسقط تحت ثقل الصمت. وفي النهاية يبقى السؤال الإنساني مفتوحا بلا إجابة نهائية. من يثبت حين تختبر القيم، ومن يذوب حين يصبح الموقف أثقل من الكلمات.
كاتب سوري حر.