” توما هوك الأمريكي ومدرسة البنات في إيران...حين تنهش شظايا الرعب والهول جسد البراءة وتفلسف الجريمة النكراء".
في زمن تتشظى فيه المعاير، وتضطرب فيه بوصلة القيم تستدرج الطفولة إلى معادلات لا تليق بها، ولا تفهمها، ولا ينبغي لها أن تعيش هناك، حيث كان الحرف يفترض أن يزهر على دفاتر البرعمات الصغيرات، ارتفع دخان كثيف كأنه إعلان واضح عن انهيار المعنى ذاته، لا مجرد حادثة عابرة.
إن مايتداول في تقارير وتحليلات منطقية مؤكدة حول هذه الجريمة الإرهابية لا يشي بحدث عابر، بل بانكشاف ميتافيزيقي لزمن تستباح فيه البراءة تحت ذرائع القوة، ويعاد فيه تعريف الإنسان بوصفه ” هدفا " ضمن خرائط النار والدمار.
وهنا، لا يعود السؤال سياسيا فحسب، بل أخلاقيا وجوديا: أي عقل هذا الذي يقنن القصف؟ وأي ضمير ذاك الذي يبرر استهداف عالم الطفولة؟
تشير تقارير اعلامية مؤكدة وتحقيقات استقصائية إلى معطيات تفيد باستخدام سلاح فتاك متطور ” توماهوك" لا تملكه أي دولة سوى دولة”الطاغوت الأكبر" ترك بصمته في محيط منشأة مدنية تضم مدرسة للفتيات ومرافق خدمية، مع تحليل جغرافي لمشاهد منشورة يظهر نطاق الأثر ومناطق الضرر. وقد وضعت هذه المعطيات ضمن سياقها التحليلي، حيث اتضح أننا لا نكون أمام حادثة تقنية فحسب، بل أمام بنية فكرية تعيد انتاج العنف الممنهج عبر أدوات أكثر تعقيدا، حيث تتقاطع التكنولوجيا مع القرار السياسي في لحظة واحدة، فيغدو الضغط زرا، وتصبح الحياة احتمالا قابلا للمحو.
هنا تتحول التكنولوجيا من وسيط للخدمة إلى أداة لإعادة تعريف الإنسان كإحداثية، وكأن الجغرافيا لم تعد مكانا للحياة، بل منصة للإستهداف.
إن ”عسكرة الجغرافيا" لم تعد توصيفا نظريا، بل واقعا تتداخل فيه الاستراتيجيا مع الراديكالية، وتدار فيه القرارات الإبليسية بمنطق الترهيب، بمنطق القوة لا بمنطق الحق.
وهذا ليس بالأمر الجديد نسبة لحكام البيت، الأبيض ظاهريا الذي تتخذ داخله القرارات الطاغوتية.
وحين تستهدف منشآت تعليمية، فإن المسألة تتجاوز الخرق القانوني إلى انهيار أخلاقي شامل إذ يعد ذلك انتهاكا جسيما للقانون الدولي، ويقع ضمن توصيفات خطيرة كجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
كما تشير تصريحات رسمية إلى ارتفاع نسبة الضحايا المدنيين في العدوان على إيران لا سيما في عالم الطفولة الذي بلغ 30% من خلال احصائيات مؤكدة. كم هو رقما موجعا يا توما هوك، في هذه المعادلة القاسية. وهنا يتكشف السؤال: هل باتت الطفولة تفصيلا ثانويا في حسابات الصراع؟ أم أن الانتقائية الدولية جعلت من العدالة مفهوما انتقائيا يفعل حيث تراد ويعطل حيث يجب أن يحضر؟ ولا يمكن فصل هذه الوقائع عن سجل تاريخي مثقل بصراعات القوى الأحادية المتحكمة بمفاصل إدارة العالم، حيث تتكرر الأنماط، وتتبدل أدواتها، لكن يبقى الثابت الوحيد هو الإنسان الضعيف الذي يدفع الثمن. إن تلاقي التقنية العسكرية مع القرار السياسي دون ضابط أخلاقي، يحول التفوق إلى تغول، والقوى إلى عبء على الإنسانية بدل أن تكون ضمانا لأمنها.
” برعمات الشهادة "
يا برعمات النور في ليل الألم،
يا نجمات أضاءت قبل الأوان ثم غابت،
كنتن ضحكة الدار، ونبض الحكاية، ووعد الغد الذي لم يكتمل، فكيف انكسر الضوء في أعينكن؟
وكيف صار الدرس وداعا؟
مئة وخمس وستون برعمة، لم تكتمل أعمارها...لكنها اكتملت وجعا في قلوبنا، تركتن دفاتركن مفتوحة كأن الحروف تبكيكين بصمت، وتركتن الوطن مثقلا بالصبر...كريما في حزنه عظيما في صموده، نمن صغيرات...لكنهن أيقظن فينا وجعا لن ينام، وتركن في صدر العالم سؤالا دامغا،
وغرسن في ضمير الزمن جرحا لا يندمل: أي ذنب كان كافيا...ليطفئ كل هذا الضياء؟
إن مايطرح من تقارير حول هذه الواقعة الأليمة، بعد ثبوت تفاصيلها لا يمكن أن يقرأ كخبر عابر، بل كجرس إنذار أخلاقي يدعو إلى إعادة مساءلة منطق القوة ذاته. فالدول، مهما بلغت من سطوة، لا تمتلك شرعية المساس بالمدنيين، ولا يمكن لأي خطاب تبريري أن يمحو أثر الدم أو يسكن ذاكرة الفقد.
وفي المقابل، يظل حق الشعوب أو الانتقاص. وبين جدلية القوة والحق، يبقى الضمير الانساني هو الفيصل: فإن صمت، سقطت الإنسانية، وإن تكلم، كتبت بداية الخلاص. فإن لم تنصف العدالة الدم المسفوح، فلن يسعف التاريخ من تلطخ به؛ وسيبقى السؤال معلقا في ضمير العالم: من يحاكم القوة الخبيثة الخسيسة...حين تجرم بحق البراءة؟
وستبقى جريمة منياب الإيرانية وصمة عار على جبين حكام البيت الأسود الأمريكي. وستبقى أرواح برعماتنا أشباح تلاحق المعتوه الأمريكي الأبرص صاحب السجل الأبستيني الحافل بالإنتهاكات الجسيمة.
محلل سياسي وإعلامي سوري.