ما الذي يفصل، فعليًا، بين إنذارات أفيخاي أدرعي وتحذيرات جوزيف عون؟
أهو اختلافٌ في اللغة، أم في الموقع، أم أن الفارق بدأ يتآكل حتى بات أقرب إلى التمايز الشكلي لا الجوهري؟
الأول، بوضوح فجّ، يُنذر المدنيين بإخلاء منازلهم تمهيدًا لتدميرها، تحت ذريعة “إزالة التهديد”. خطابٌ صادر عن قوة احتلال لا تُخفي طبيعتها ولا تتستّر خلف مفاهيم السيادة.
أما الثاني، فيفترض به أن يكون حارس تلك السيادة، لكنه يقدّم مقاربة تُثير تساؤلات حادّة: دعواتٌ متكررة لتجريد الجنوب من عناصر قوته، خطابٌ يضغط باتجاه نزع السلاح تحت عنوان “حصرية الدولة”، واندفاعةٌ سياسية توحي بأن الطريق إلى “الاستقرار” قد تمرّ عبر بوابات اللقاء مع بنيامين نتنياهو، أو الانخراط في مسارٍ تطبيعي يُعاد فيه تعريف الصراع لا حسمه.
هنا تكمن الخطورة: حين تتحوّل مفردة “إزالة التهديد” من غطاءٍ لقصفٍ مباشر، إلى ذريعةٍ لإعادة تشكيل الداخل بما ينسجم مع شروط الخارج.
النتيجة، في الحالتين، ليست بعيدة كما قد يُظن: تفكيك البيئة التي تُفترض حمايتها، ولكن بأدوات مختلفة هناك بالنار، وهنا بالخطاب.
الفرق لم يعد فقط بين من يقصف ومن يطلب نزع أسباب المواجهة، بل بين من يفرض الوقائع بالقوة، ومن يُمهّد لها تدريجيًا تحت عناوين الدولة والشرعية.
وهنا، لا تعود المسألة رأيًا سياسيًا عابرًا، بل تحوّلًا في وظيفة الخطاب الرسمي نفسه: من موقع المواجهة إلى موقع التكيّف، ومن حماية التوازن إلى إعادة صياغته وفق ميزانٍ مختلّ أصلًا.
الخطر لا يكمن في تشابه العبارات، بل في تقاطع النتائج.
فحين يُصبح خطاب الداخل أقرب، في مآلاته، إلى ما يريده الخارج، فإن الأزمة لا تعود في “سوء التقدير”، بل في الاتجاه نفسه. وهنا، لا يكفي الاختباء خلف شعارات الدولة، لأن السيادة التي تُفرّغ تدريجيًا، لا تحتاج إلى قصفٍ لتسقط بل إلى من يُعيد تعريفها حتى تفقد معناها.
عباس المعلم - كاتب سياسي