عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
لم تعد تصريحات الرئيس ترامب، بشأن ضمّ الدول أو تحويلها إلى "ولايات أميركية" ، مجرد استفزازات إعلامية، أو نوبات إستعراضية لجذب الاهتمام.
فالصورة التي نشرها لفنزويلا مغطاة بالعلم الأميركي تحت عنوان "الولاية 51"، تكشف ذهنية خطيرة تتعامل مع الدول ذات السيادة، وكأنها عقارات قابلة للمصادر، أو قطع في لعبة "المونوبولي".
والأخطر أن هذه التصريحات تأتي بعد سلسلة خطوات تصعيدية، بدأت بخطف رئيس دولة ذات سيادة ومصادرة أصول النفط الفنزويلي، وفرض الحصار والعقوبات، والتعامل مع فنزويلا بمنطق الإستقواء والابتزاز والتهديد السياسي، وصولًا إلى الحديث العلني عن تحويل فنزويلا إلى ولاية أميركية.
فما يجري يتجاوز حدود الشعبوية السياسية، أو جنون الخطاب الانتخابي. فنحن أمام عقلية تعتبر أن الولايات المتحدة، تمتلك حق إعادة رسم خرائط العالم بالقوة الاقتصادية والعسكرية، وأن القانون الدولي، مجرد أداة انتقائية تُستخدم ضد الخصوم، وتُعطّل عندما تتعارض مع المصالح الأميركية والإسرائيلية.
ولهذا لم يكن مستغربًا أن ينتقل ترامب، من الحديث عن غرينلاند إلى حصار إيران، ثم إلى التلميح بابتلاع فنزويلا، وكأن العالم بأسره موضوع على طاولة مقايضات جيوسياسية.
والأخطر في سلوك ترامب ليس فقط تهديداته، بل الصمت الدولي المريب الذي يرافقها. فمجلس الأمن الذي يُفترض أن يكون الضامن الأعلى للسلم والأمن الدوليين، تحوّل إلى مؤسسة مشلولة أمام الانتهاكات الأميركية والإسرائيلية.
وهذا العجز لم يبدأ اليوم، بل ظهر بوضوح منذ انسحاب ترامب الأحادي من الاتفاق النووي الإيراني في 8 أيار/مايو 2018، رغم أن الاتفاق كان محميًا بقرار مجلس الأمن 2231 الصادر عام 2015، بعد مفاوضات شاقة مع دول الـ(5+1). يومها سقطت هيبة القانون الدولي عندما مزّقت واشنطن إتفاقًا دوليًا بضمانة أممية ورعاية دول ال(5+1) دون أي محاسبة أو ردع.
ثم جاء الصمت الكارثي حيال غزة. فمنذ إعلان نتنياهو مشروع “الشرق الأوسط الجديد” في 23 أيلول/سبتمبر 2023، كانت المنطقة تسير نحو الانفجار الكبير. وبعد و7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 ، تحولت غزة إلى مسرح لإبادة عمرانية وسكانية غير مسبوقة، بينما اكتفى المجتمع الدولي ببيانات القلق.
وقد بلغت الإحصائية التراكمية منذ بداية العدوان في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023:
للشهداء: 72,742 شهيد
وللإصابات: 172,565 إصابة
باللإضافة إلى أكثر من 15.000 مفقود حسب إحصاء وزارة الصحة الفلسطينية في غزة أمس.
ولا بد من الإشارة أن كافة مدينة غزة ومدينة رفح سُوّيتا بالأرض، وفرض تهجير جماعي قسري إلى سيناء، يُطرح كحل سياسي، كما يتم الترويج للترحيل القسري إلى خارج حدود الوطن.
فيما مجلس الأمن عاجز، حتى عن فرض تنفيذ قراراته المتعلقة بالأراضي المحتلة منذ عام 1967.
وفي لبنان، تكرر المشهد نفسه، فبعد اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024؛ وثقت قوات الطوارئ (اليونيفيل) أكثر من 15.000 إعتداء خلال 15 شهرًا ، بالأضافة إلى أكثر من 30 قرية حدودية مدمّرة بالكامل، واحتلال مستمر لأراضٍ لبنانية( 68 قريةحسبما ذكر الرئيس سلام ) .
فيما مجلس الأمن والأمم المتحدة اكتفيا بالمراقبة وإصدار بيانات الشجب.
وعندما استأنفت المقاومة عملياتها بعد 15 شهرًا من العض على الجراح نتيجة للصمت الأممي والدولي المتآمر لعدم إيقاف الأعمال العدائية، وعدم جدوى التحرك الرسمي الديبلوماسي لتحرير الأراضي المحتلة والتصعيد العسكري طال كل لبنان؛ حضر السيد غوتيريش بتاريخ 13 آذار/مارس 2023 فساوى بين المعتدي ومن يدافع عن أرضه وسيادته بدلًا َن إلزام العدو بوقف الأعمال العدائية.
هذه الوقائع مجتمعة ترسم صورة نظام دولي يتفكك أمام منطق القوة.
فترامب لا يتصرف كرئيس دولة تحترم المؤسسات الدولية، بل كزعيم مافيا يرى نفسه فوق القانون والتوازنات والمواثيق.
وشخصيته السياسية القائمة على النرجسية المفرطةوالمضطربة وجنون العظمة تدفعه إلى التعامل مع العالم باعتباره مساحة نفوذ شخصية، لا منظومة دول ذات سيادة. لذلك فإن خطابه لم يعد مجرد خطر سياسي داخلي على الولايات المتحدة، بل تحول إلى تهديد مباشر للاستقرار والأمن العالمي، خصوصًا عندما يقترن هذا السلوك بترسانة عسكرية هائلة وتحالفات متطرفة تؤمن بإعادة تشكيل الشرق الأوسط والعالم بالقوة.
وإن أخطر ما في المرحلة الحالية ليس فقط اندفاع ترامب، بل غياب أي منظومة ردع دولية حقيقية.
فحين يشعر قادة القوى الكبرى أنهم قادرون على تجاوز القانون دون ثمن، يصبح العالم أقرب إلى شريعة الغاب منه إلى النظام الدولي؛ وعندما يتحول مجلس الأمن والأمم المتحدة إلى شاهدي زور،وصامِتَين على الحروب والحصار والضم والتهجير، فإن الرسالة التي تصل إلى الدول هي أن السيادة لم تعد تُحمى بالقانون، بل بامتلاك عناصر القوة القادرة على فرض التوازن ومنع الابتلاع.
لذا يجب عزل ترامب فورًا، وإلقاء الحجر الصحي عليه.
وإنَّ غدًا لناظره قريب
13 أيار/مايو 2026