حتى الآن، لم تتوقف الاتصالات المكثفة في المنطقة بين أكثر من طرف إقليمي ودولي على خلفية التصاعد المتسارع للتوتر العسكري على الجبهة اللبنانية. وفي موازاة ذلك، لا يزال مسار التفاوض والاتصالات بين طهران وواشنطن قائماً من دون أي إعلان رسمي عن تعليقه أو انهياره، ما يجعل الملف اللبناني واحداً من أكثر الملفات سخونة وحساسية على طاولة المفاوضات والاتصالات الإقليمية.
المشهد الراهن يبدو أقرب إلى ذروة “التفاوض بالنار”؛ حيث تتداخل الرسائل العسكرية مع الحسابات السياسية، ويُستخدم الميدان كساحة ضغط متبادل لتحسين شروط التفاوض وانتزاع المكاسب. وتقف المنطقة اليوم على حافة توازن شديد الهشاشة، يفصلها خيط رفيع بين احتمال التوصل إلى تفاهم شامل يفضي إلى تثبيت فعلي ومستدام لوقف إطلاق النار في لبنان، وبين الانزلاق نحو مواجهة واسعة النطاق قد تتجاوز حدود الجبهة اللبنانية والإيرانية لتطال ساحات ومحاور أخرى في الإقليم، بما يحمله ذلك من تداعيات أمنية وسياسية وعسكرية يصعب احتواء ارتداداتها.
وبناءً عليه، تبدو الساعات والأيام المقبلة شديدة الحساسية، إذ إن أي خطأ في الحسابات أو أي محاولة لفرض وقائع جديدة بالقوة قد تدفع المنطقة من مرحلة إدارة التصعيد إلى مرحلة الانفجار المفتوح، فيما تبقى احتمالات التسوية والحرب قائمة معاً حتى إشعار آخر.
والأخطر من ذلك أن تجارب المنطقة خلال العقود الماضية أثبتت أن الحروب الكبرى كثيراً ما اندلعت في اللحظات التي كان فيها الحديث يدور عن تفاهمات وشيكة أو تسويات قريبة. فكلما اقتربت المفاوضات من لحظة الحسم، ارتفعت في المقابل احتمالات اللجوء إلى عمليات عسكرية نوعية أو خطوات ميدانية مفاجئة تهدف إلى تعديل موازين القوى وفرض شروط جديدة على طاولة التفاوض.
ومن هنا، فإن أي مؤشرات إعلامية أو سياسية تتحدث عن تقدم في الاتصالات لا ينبغي قراءتها تلقائياً باعتبارها دليلاً على تراجع احتمالات المواجهة، بل قد تكون جزءاً من مرحلة بالغة الخطورة يترافق فيها الحوار مع أعلى درجات الضغط العسكري والأمني. فالتاريخ القريب للصراعات الإقليمية يثبت أن كثيراً من الاتفاقات وُلدت تحت النار، وأن كثيراً من الحروب اندلعت قبل ساعات أو أيام من إعلان التسويات.
لذلك، يبقى الحذر واجباً من سيناريوهات مفاجئة قد تتجاوز السقوف المتداولة حالياً، خصوصاً أن لبنان لم يعد مجرد ساحة متأثرة بما يجري حوله، بل بات أحد أبرز ميادين الاشتباك الإقليمي
وعليه، فإن المرحلة الحالية تستدعي أعلى درجات اليقظة في قراءة التطورات، لأن المنطقة تقف فعلياً عند مفترق طرق تاريخي؛ إما نحو تسوية واسعة تعيد رسم قواعد الاشتباك وتفرض وقفاً حقيقياً للحرب، وإما نحو انفجار إقليمي مفتوح قد تتدحرج معه الأحداث بوتيرة تتجاوز قدرة معظم الأطراف على ضبطها
عباس المعلم - كاتب سياسي