✍️عبدالله علي هاشم الذارحي
تشهد المنطقة اليوم مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها المواجهات العسكرية مع الضغوط السياسية والتحركات الدبلوماسية، في ظل استمرار الحرب على غزة، وتصاعد التوتر بين أمريكا وإيران ومحور المقاومة، وتزايد الاهتمام الدولي بالممرات البحرية الاستراتيجية، وفي مقدمتها البحر الأحمر وباب المندب.
لقد بات واضحًا أن المشهد الإقليمي لم يعد محصورًا بجبهة واحدة، إنما أصبح صراعًا متعدد الجبهات، تتأثر فيه فلسطين ولبنان واليمن وإيران والعراق وسوريا بصورة مباشرة، فيما تسعى أمريكا وحلفاؤها إلى احتواء تداعيات التصعيد ومنع اتساع رقعة المواجهة.
بالتالي فإن معادلات الردع تغيرت، والتحالفات يعاد تشكيلها، وأدوات النفوذ تبدلت، بينما يتراجع الاعتقاد بإمكانية العدو الصهيو أمريكي فرض الوقائع بالقوة العسكرية وحدها.
فإيران رسخت حضورها كطرف لا يمكن تجاوزه في أي معادلة إقليمية، سواء من خلال ثقلها السياسي والعسكري، عبر
وحدة الساحات، الأمر الذي جعل أي ترتيبات تخص أمن المنطقة أو مستقبلها ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمحور الجهاد والمقاومة.
وفي اليمن، برز البحر الأحمر وباب المندب بوصفهما اليوم أحد أهم عناوين الصراع، الإقليمي، لقد أثمر قرار حظر الملاحة السعودية، وأصبحت تطورات هذا الممر الاستراتيجي محل متابعة مستمرة من القوى الكبرى، لما يمثله من أهمية للتجارة العالمية وأمن الطاقة.
وفي غزة، لا تزال الحرب تمثل محور الأحداث، وسط استمرار عمليات العدو العسكرية، والضغوط الدولية المطالبة بالتوصل إلى اتفاق يوقف القتال ويؤدي إلى تبادل الأسرى وإدخال المساعدات الإنسانية، بينما تبقى المفاوضات معقدة بسبب تباعد مواقف الأطراف.
وفي لبنان، تبقى الجبهة الشمالية لإسرائيل مصدر قلق دائم للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، التي تدرك أن أي مواجهة واسعة هناك ستكون مختلفة في حجمها وتأثيرها، وهو ما يجعل حالة الردع المتبادل أحد أبرز ملامح المرحلة الحالية.
إن المشهد الراهن يؤكد أن المنطقة لم تعد كما كانت قبل سنوات، فالسعودية ودول الخليج وسوريا فُرض عليها واقعًا إقليميًا متغيرًا وعليها إعادة تقييم أولوياتها الأمنية والسياسية والاقتصادية، في ظل حرصها على تجنب اتساع دائرة الصراع، والحفاظ على الاستقرار في المنطقة.
ولعل أبرز ما يميز هذه المرحلة هو أن مستقبل المنطقة لن تصنعه قوة واحدة أو دولة بعينها، وإنما ستحدده موازين قوى المقاومة، ونتائج الصراعات الجارية، وقدرة الأطراف المختلفة على تحويل مكاسب الميدان إلى مكاسب سياسية.
إن المنطقة تقف اليوم أمام منعطف تاريخي حقيقي؛ فإما أن تنجح الجهود السياسية في فتح صفحة جديدة تخفف من حدة الصراعات، وإما أن تستمر دوامة التصعيد بما يحمله ذلك من تداعيات على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، وما نشاء إلا ان يشاء الله.