في مشهد إقليمي شديد التعقيد، جاء إعلان تمديد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لثلاثة أسابيع كخبر يبدو في ظاهره إيجابياً، لكنه في عمقه يثير أسئلة أكثر مما يقدم إجابات. فالاتفاق الذي رعته واشنطن مباشرة، لا يعكس حتى الآن توازناً حقيقياً على الأرض، بل يبدو أقرب إلى محاولة تأجيل الانفجار لا منعه.
اللافت أن الحكومة اللبنانية باتت تُظهر رغبة واضحة في الذهاب نحو مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وهو تحول لم يعد يُخفى خلف العبارات الدبلوماسية. التصريحات الرسمية لمّحت بوضوح إلى أن التفاوض المباشر لم يعد محرّماً إذا كان يفضي إلى إنهاء الحرب واستعادة الأرض. وفي هذا السياق، يبرز الحديث الذي نقله الرئيس الأميركي عن احتمال عقد لقاء قمة في البيت الأبيض بين لبنان وإسرائيل كجزء من ترتيبات الهدنة، وهو أمرإن صحّ يمثل تحولاً غير مسبوق، لكنه لا يزال غامضاً من حيث القبول الفعلي وإمكانية التحقق.
في المقابل، تستمر الوقائع الميدانية بنسف أي تفاؤل مبكر. القصف لم يتوقف، والاشتباكات مستمرة، ما يعكس فجوة واضحة بين المسار السياسي المعلن والواقع العسكري الفعلي. وهنا تحديداً تتجلى معضلة الهدنة ،اتفاق بلا ضمانات، ومسار تفاوضي بلا أرضية صلبة.
أما إيران، فتدير المشهد بقدر عالٍ من التضليل السياسي، لا يقل تعقيداً عن أسلوب واشنطن نفسها. فالتصريحات الإيرانية تتأرجح بين الانفتاح على التفاوض والتلويح بالتصعيد،تارة والإنقسام داخل مراكز القرار تارة أخرى قبل أن تعود وتتوحد ضمن خطاب مركزي مدروس .
هذا التناقض ليس عشوائياً، بل يبدو جزءاً من استراتيجية تهدف إلى كسب الوقت، وإرباك الخصوم، وإبقاء جميع الخيارات مفتوحة في آن واحد.
وفي قلب هذا الصراع، يبرز ملف القيادة الإيرانية، حيث أصبح مصير المرشد الأعلى هاجساً مركزياً في الحسابات الأميركية والإسرائيلية. لم يعد الأمر مقتصراً على البرنامج النووي أو الصاروخي أو حتى النفوذ الإقليمي، بل بات يتصل مباشرة ببنية النظام نفسه، وهو ما يرفع سقف المواجهة إلى مستويات أكثر خطورة مع الوقت.
إسرائيل، من جهتها، لا تُخفي استعدادها لاستئناف الحرب، بل تتحدث صراحة عن ضربات مدمرة بانتظار الضوء الأخضر. والولايات المتحدة، رغم رعايتها للهدنة، تواصل سياسات الضغط والحصار وإعادة التموضع العسكري، ما يعزز الانطباع بأنها تدير الصراع أكثر مما تسعى لإنهائه.
والحقيقة الأكثر وضوحاً هي أن جميع الأطراف، بدرجات متفاوتة، غير راضية عن نتائج المرحلة السابقة. كل طرف يشعر أنه لم يحقق ما يريد، ما يجعل استئناف الحرب خياراً قائماً، وربما مرغوباً، تحت ذرائع مختلفة.
في ظل هذا المشهد، يبقى الشرق الأوسط معلقاً بين هدنة هشة وحرب مؤجلة؛ منطقة تُدار بالأزمات لا بالحلول ، وبالتوازنات لا بالتسويات. أما الهدنة الحالية، فليست سوى استراحة قصيرة في صراع طويل، لم يصل بعد إلى لحظة الحسم.