كلمات حق و للتاريخ…
مقالات
كلمات حق و للتاريخ…
علي وطفي
24 نيسان 2026 , 23:37 م

إنهم أصحاب ضمير حي وشعب يساند المظلوم ورغم أندلسة (احتلال) ما عرف بإسبانيا اليوم، تفوقت واحرجت الأنظمة و رعاياها من(أشقاء) فلسطين العرب والمسلمين في الموقف السياسي الداعم لغزة عندما انفرد الشعب الإسباني و حكومته في دعم غزة فلسطين بشكل مستمر بعد 7 تشرين ورأينا الساحات تمتلئ على مدى شهور احتجاجا على حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة و تأييدا لأهل غزة واليوم انسحب هذا الموقف بشكل علني رسمي و صريح من العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران .

من بين جميع الدول الأوروبية التي تندد ولو تلميحا وحياء انفردت إسبانيا بخطابها الأشد قسوة ووضوح تجاه تل أبيب و تبنت خطة شاملة لمواجهة إسرائيل ، بل وصل بها الأمر إلى التعبير عن أسفها لعدم امتلاكها قنبلة ذرية لهذا الغرض و تصدرت مدريد الاحتجاجات المناهضة لإسرائيل، كما لم يعد بالإمكان استخدام قاعدتي روتا و مورون دي لا فرونتيرا العسكريتين الاسبانيتين الرئيسيتين في أوروبا الغربية لنقل الأسلحة الأمريكية إلى إسرائيل، وذلك لأن إسبانيا حظرت هذه العمليات على الولايات المتحدة ورفضت الحكومة الإسبانية بيع الأسلحة لإسرائيل ودعا رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى استبعاد تل أبيب من مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن) وأدت مظاهرة مناهضة لإسرائيل في عاصمة المملكة الأيبيرية إلى إلغاء المرحلة النهائية من سباق فولتا إسبانيا الشهير وصرح وزير الخارجية الإسرائيلي قائلا: "سانشيز وحكومته عار على إسبانيا.!"مستذكر ندم" سانشيز" على عدم امتلاكه قنبلة ذرية "لردع إسرائيل" وفي العام الماضي ، اعترفت إسبانيا رسمياً بدولة فلسطينية وهو ما وصفه" سانشيز" بأنه مسألة عدالة تاريخية في ضوء التطلعات المشروعة للشعب الفلسطيني وضرورة ملحة لتحقيق السلام, هذا لا يعني أن الحكومة الإسبانية تتحدى إرادة شعبها بل على العكس ، مع بحر من الأعلام الفلسطينية والدعم البشري في شوارع مدريد و نتائج استطلاع رأي حديث أجراه معهد إلكانو رويال للأبحاث الاجتماعية: 82% من الإسبان يصفون ما تفعله إسرائيل في قطاع غزة بـ"الإبادة الجماعية" وذلك على الرغم من إصرار الحكومة الإسرائيلية على أنها ترد على الهجمات على أراضيها وتكافح التهديد الإرهابي) لحماس).

ربما هذا الموقف في وجهه الاخر يكمن بسبب عداء إسبانيا التاريخي لإسرائيل والمشاعر المعادية لإسرائيل في إسبانيا قديمة ، وبالعودة إلى تاريخ بلد لم يعترف بدولة إسرائيل إلا عام 1986، بسبب حاكمها فرانشيسكو فرانكو، من عام 1939 إلى عام 1975، والذي أقام علاقات وثيقة مع دول جنوب وشرق البحر الأبيض المتوسط و كانت إسبانيا آنذاك معزولة دوليا بسبب دعم نظامه لدول المحور الفاشية خلال الحرب العالمية الثانية وقد رفضت الأمم المتحدة فعليا انضمام إسبانيا إليها حتى عام 1955 وسحبت العديد من الدول الغربية سفرائها من مدريد في تلك السنوات و قدم العديد من الشباب العرب، بمن فيهم الفلسطينيون إلى إسبانيا للدراسة في جامعاتها وقد سهل ذلك الظروف التي وفرها لهم نظام فرانكو، بالإضافة إلى انخفاض تكلفة المعيشة نسبيا في إسبانيا مقارنة بالدول الغربية الأخرى وقد أسس العديد من هؤلاء "الوافدين الجدد" عائلات في إسبانيا واستقروا فيها بشكل دائم ،ووفقا "للوز غوميز"، أستاذة الدراسات العربية والإسلامية في جامعة مدريد المستقلة فإن الإسبان الذين لم يشاركوا في الحرب العالمية الثانية " لم يشعروا أبدا بأي مسؤولية خاصة تجاه وضع اليهود الأوروبيين الذين عانوا في ظل النازية " وتوضح " روزا ماريا باردو سان"، مديرة قسم التاريخ المعاصر في الجامعة الوطنية للتعليم عن بعد في إسبانيا : "لطالما رفض الجنرال فرانكو الاعتراف بدولة إسرائيل، ساعيا لكسب أصوات الأنظمة الملكية العربية المحافظة في الأمم المتحدة وكذلك نظام جمال عبد الناصر في مصر ونظام صدام حسين في العراق وأملا في الحصول على دعم عربي لعودة جبل طارق إلى إسبانيا أن التحالفات مع الدول العربية ساعدت نظام فرانكو على تجاوز أزمات النفط وتخفيف حدة التوتر مع المغرب بشأن الصحراء الغربية " كما ننذكر معارضة إسرائيل لرفع المقاطعة الدبلوماسية عن إسبانيا عام 1949 بسبب رفض " فرانكو" الاعتراف بدولة إسرائيل وكما يشير" حازم أميرة فرنانديز" المدير التنفيذي لمركز الدراسات، فإن فرانكو "حصل على دعم موقف إسبانيا مقابل دعمه للدول العربية ، التي كان العديد يحصل على استقلاله في تلك السنوات" وفي الواقع أصبحت الدول العربية حليفا قويا لإسبانيا وقدمت في نهاية المطاف الدعم اللازم لانضمام إسبانيا بقيادة " فرانكو” إلى الأمم المتحدة وللتطبيع التدريجي للنظام على الساحة الدولية وعندما دخلت إسبانيا مرحلة انتقالية بعد وفاة "فرانكو" والتحول الديمقراطي ، بقي الشعب الأيبيري ينظرإلى الفلسطينيين كشعب مظلوم ومحترم موقف انعكس في زيارة ياسر عرفات لإسبانيا عام 1979 كانت إسبانيا أول دولة غربية تستضيف الزعيم الفلسطيني، الذي كان آنذاك محظورا و يعتبر إرهابيا بنظر معظم الدول الغربية.

تم إقامة العلاقات مع إسرائيل لاحقا واعترفت الحكومة الاشتراكية برئاسة “فيليب غونزاليس” بدولة إسرائيل عام 1986 لانه الشرط الذي وضعته المجموعة الاقتصادية الأوروبية آنذاك (الاتحاد الأوروبي حاليا) لقبول إسبانيا فيه ورغم ذلك التطور أو التحول صوتت الحكومة المحافظة في إسبانيا برئاسة “ماريانو راخوي” في الجمعية العامة للأمم المتحدة على منح فلسطين صفة دولة مراقبة غير عضو في تشرين الثاني 2012 وهذا ما منح اسبانيا بسبب العلاقات الوثيقة مع العالم العربي دورا مميزا في الوساطة بين الفلسطينيين والإسرائيليين فيما بعد وهو ما دفع الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب إلى اختيار العاصمة الإسبانية مقرا لمؤتمر مدريد للسلام عام 1991، والذي كان منطلقا تمهيدي لاتفاقيات أوسلو فيما بعد عندما خرج عرفات عن التنسيق العربي الى مفاوضات منفردة وسرية مع الكيان الإسرائيلي.

أصبحت إسبانيا على علاقات تعاون "ودية وطبيعية" مع إسرائيل في مجالات التجارة والأمن والاستخبارات وقد سمح قانون تجنيس السفارديم لعام 2015 وهم أحفاد اليهود الذين طُردوا من شبه الجزيرة الأيبيرية في القرن الخامس عشر للعديد من الأشخاص بالحصول على الجنسية الإسبانية، يرى البعض في هذا القانون بادرة حسن نية تجاه إسرائيل، إذ لم يسن قانون مماثل لمنح الجنسية للموريسكيين وهم مسلمون من الأندلس أجبروا على اعتناق الكاثوليكية ثم طردوا من إسبانيا إلا أن هذا القانون انتهى العمل به عام 2023 وتدهورت العلاقات مع إسرائيل إلى طريق مسدود والآن كما نرى هناك حرب سياسة ،اقتصادية و دبلوماسية بينهما ومع امريكا/ ترامب الذي ايضا يريد معاقبتها بسبب عدم تقديمها الدعم اللوجستي في العدوان على إيران.

يتعارض اليوم موقف إسبانيا المؤيد للفلسطينيين مع توجهات الاتحاد الأوروبي العامة المؤيدة لإسرائيل مع ذلك ، فهذه ظاهرة تاريخية راسخة وليس موقف سياسي عابر يهدف إلى التفاوض من اجل المقايضة بمعاملة تفضيلية من بروكسل مقابل الامتناع عن الضغط على إسرائيل.