”الطائفية ببصمات صهيو_ أمريكية: اختراق ناعم بتوقيع خشن."
ليست الطائفية مجرد اختلاف بين الانتماء أو تباين في التأويل، بل هي حين تستثمر سياسيا_تقنية اختراق للوعي، وآلية تفكيك للتماسك، وسيميولوجيا شرخ تتسلل من هامش الخطاب إلى متن الواقع، تبدأ همسا ناعما في العقول ثم تستحيل صدعا خشنا في المجتمعات، فتأكل مناعة الأوطان من داخلها، وتحول التنوع من مصدر ثراء إلى ذريعة صراع، ومن مساحة تعارف إلى ساحة تناحر.
في الجينالوجيا السياسية للصراعات الحديثة، تبدو الطائفية أكثر من مجرد انحراف فكري؛ إنها إحدى أخطر أدوات التشظي الاجتماعي وإعادة هندسة الإنقسام. تذكروا عراب ما يسمى الربيع العربي ”الصهيوني هنري برنار ليفي." فحين تعجز مشاريع الهيمنة عن فرض إرادتها بالقوة المباشرة، وتتحول المجتمعات إلى ميادين استنزاف مفتوحة على الاحتراب والتمزق.
ومن رحم هذا المناخ المأزوم، برزت جماعات متطرفة، أشبه بقطعان المستوطنين الصهاينة من حيث الشعور واللحى رفعت شعارات دينية، مسيئة كل الإساءة لصورة المسلمين والإسلام الحنيف. مستبدلة فقه العمران بفقه الخراب، ومنطق الحوار بمنطق الإقصاء تبيح التكفير وتنبذ التفكير، تعتمد على كثير من نقل لا يتقبله العقل. تستبدل روح الرحمة المهداة بخطاب الغلو. وهكذا أصبح الإسلام، في أعين كثيرين حول العالم، رهينة صورة مشوهة صنعتها ممارسات العنف أكثر مما صنعتها تعاليم الدين الحقيقية.
إن الإسلام الذي جاء رحمة للعالمين لا يبيح التآمر على جيوش الأوطان وتسهيل دخول العدو إلى تراب الوطن وسفك الدماء وقطع الأعناق والحناجر بالسكاكين والسيوف والخناجر، وقطع الرقاب بالحراب وإحلال الفوضى الخلاقة وتدمير البنية التحتية والفوقية ونشر الرعب والخراب. لقد دفعت دولا عديدة أثمانا باهضة نتيجة هذا الفكر المتطرف الذي نشأ في بيئة رملية بدعم ومؤازرة من وزارة المستعمرات البريطانية آنذاك. لقد تمدد هذا الفكر الدموي حيث أفضت الحروب والإنقسامات إلى تآكل مؤسسات الدولة، وإضعاف التنمية، وتفتيت الروابط الإجتماعية، وتوسيع دوائر المعاناة الإنسانية. وكلما ارتفع منسوب التحريض، تراجعت فرص الاستقرار، وكلما انتصرت العصبية، انكسر ميزان المواطنة الجامعة.
ولقد رأى العالم أجمع كيف ترك هذا الفكر المتطرف بصمته السوداوية في دول شقيقة كليبيا والعراق واليمن والسودان وغيرها من دول عربية أخرى كانت تنام في المربع الآمن.
نعم، لقد نشأت هذه التيارات المتشددة في بيئة مغلقة اتسمت بقراءات حرفية لأحاديث موضوعة مصنوعة ضالة ومضلة هدفها تفتيت وتفكيك وبث التشكيك في نفوس الكثيرين من جهال وأميين من شعوب. ثم استفادت هذه التيارات الإرهابية لاحقا من ظروف سياسية واستعمارية معقدة شهدتها المنطقة خلال القرنين الماضيين. وتؤكد وتذهب بعض الدراسات والقراءات النقدية إلى الحديث عن تقاطعات ومصالح متبادلة بين قوى إستعمارية آنذاك وبعض الحركات المحلية، في إعادة سياق تشكيل خرائط النفوذ والسلطة. ومهما اختلفت التفسيرات التاريخية، فإن الثابت أن نتائج تلك المقاربات المتصلبة انعكست سلبا على استقرار مجتمعات عديدة.كما يؤكد الكثير من منتقدي هذا الفكر العقيم الذي لا ينتمي إلى روعة الإسلام العظيم.
والمفارقة الغريبة العجيبة تتمثل في أن خطابه كثيرا ما يشتد تجاه حركات المقاومة والمدافعين عن القدس والمقدسات والحقوق الوطنية، بينما يبدي مشايخه أكثر مرونة تجاه مشاريع الإنبطاح والتطبيع أو أشكال التبعية للمحور الإبستيني وأيضا بأشكال التبعية السياسية والاقتصادية للقوى الخارجية.
ويستشهد هؤلاء بفتاوى ومواقف صدرت عن بعض المنتمين إلى تلك المدارس الفكرية، أثارت جدلا واسعا بسبب ما اعتبر تبريرا للتنازل أو التساهل في قضايا تعتبرها قطاعات واسعة من الشعوب العربية والإسلامية قضايا مركزية غير قابلة للمساومة.
ومن هنا تبرز ضرورة التميز بين الإسلام بوصفه رسالة رحمة وإنصاف وكرامة إنسانية، وبين التوظيف الأيديولوجي للدين لخدمة أجندات سياسية أو جيوسياسية متغيرة. فالمقاومة المحقة العادلة والمشروعة للإحتلال شيء، واستباحة المجتمعات وتمزيقها باسم الشعارات شيئ آخر تماما. وأي مجتمعات! فقط مجتمعات دول الصمود والتصدي والممانعة والمحور المدافع عن كرامة المسلمين. وقد أثبتت التجارب أن أكثر المتضررين من العنف المؤدلج كانوا من أبناء المنطقة أنفسهم، الذين دفعوا أثمانا باهضة من أمنهم واستقرارهم ووحدة أوطانهم.
آن الأوان لإطلاق صيحة تحذير من أرباب الإرهاب والتكفير، والتقرف من التطرف.
كاتب سوري حر، وفنان وطني شامل.