ما جرى اليوم في ساقية الجنزير، بمعزلٍ عن تفاصيله وخلفياته، لا يحتاج إلى كثير تفكيك: فالمشهد أبلغ من أي رواية، وهو مشهد انكشافٍ سياسي وأخلاقي لنخبةٍ طالما احتمت بشعارات “الدولة” و“سيادة القانون”، فإذا بها تتخلّى عنها عند أول اختبارٍ يمسّ مصالحها أو حساباتها الضيّقة.
الثابت الوحيد في هذا الحدث هو السقوط المدوّي في سلوك من يُفترض أنهم حرّاس المؤسسات. أداءٌ مرتبك، خطابٌ متناقض، وانحيازٌ فجّ يُظهر أن القانون لديهم ليس مرجعية ثابتة، بل أداة انتقائية تُستدعى حين تخدم، وتُعطَّل حين تُحرج. هنا لا يعود الحديث عن “قصور” فحسب، بل عن ذهنية سياسية قائمة على التلطي خلف الدولة لا على بنائها.
كيف يمكن لمن يرفع لواء الشرعية أن يستنفر دفاعًا عن مطلوبٍ للعدالة، فيما يغضّ الطرف عن وقائع أخطر تمسّ الأمن الوطني برمّته؟ كيف يتحوّل تنفيذ إجراء قضائي عادي إلى ساحة شعبوية، يُستباح فيها القضاء وتُحرَج الأجهزة الأمنية، فقط لأن الجهة المعنية لا تنتمي إلى “الهوى السياسي” نفسه؟ هذه ليست زلّة عابرة، بل ممارسة ممنهجة تكشف أن معيارهم ليس القانون، بل الانتماء.
من ساكن السراي إلى نواب الصدفة، وصولًا إلى قوى وتيارات فقدت بوصلتها، انكشفت حقيقة الخطاب الذي طالما تغنّى بالدولة: دولةٌ على القياس، تُفصَّل بحسب الحاجة، وتُعلَّق نصوصها عند أول تضارب مع المصالح. في زاروبٍ لا يتجاوز أمتارًا قليلة، سقطت هيبة القضاء، وتعرّت ازدواجية المعايير، وظهر بوضوح أن الضيق ليس في المكان، بل في العقول التي تديره.
الأخطر من ذلك أن هذا الأداء لا يكتفي بإضعاف المؤسسات، بل يضرب ما تبقّى من ثقة الناس بها. فحين يرى المواطن أن القانون يُطبَّق عليه بصرامة، ويُعلَّق عند أصحاب النفوذ، تسقط آخر الذرائع التي تُبقي فكرة الدولة قائمة في الوجدان العام. عندها، لا يعود الحديث عن إصلاح ممكناً، بل عن إعادة إنتاج فوضى مُقنَّعة بشعارات رسمية.
إنها لحظة كاشفة: من يدّعي حماية الدولة أثبت اليوم أنه أول من ينقلب عليها حين تتعارض مع حساباته. ومن يرفع شعار القانون، برهن أنه لا يؤمن به إلا بقدر ما يخدمه. هكذا فقط يُفهم ما جرى: ليس حادثًا عابرًا، بل نموذجًا فاضحًا لسياسة انتقائية، تُشرعن النفاق وتُسقط ما تبقّى من صدقية.
عباس المعلم - كاتب سياسي