مجلس الأمن بين ازدواجية المعايير والبلطجة الأمريكية
مقالات
مجلس الأمن بين ازدواجية المعايير والبلطجة الأمريكية " هرمز نموذجًا..
عباس المعلم
15 أيار 2026 , 00:44 ص

بقلم ( عباس المعلم )

في مشهدٍ يكشف مقدار الانحدار الذي أصاب النظام الدولي، يتحوّل مجلس الأمن تدريجياً من مؤسسة يُفترض أنّها وُجدت لحماية السلم العالمي وصون القانون الدولي، إلى منصّة انتقائية تُستَخدم لتأمين مصالح القوى الكبرى، وخصوصاً الولايات المتحدة، ولو على حساب أبسط المبادئ التي قامت عليها الأمم المتحدة نفسها. فالعالم الذي يستنفر اليوم لعقد جلسات متتالية تحت عنوان “حماية حرية الملاحة” وفتح مضيق هرمز، هو ذاته العالم الذي يلوذ بالصمت أمام حصارٍ بحري ومالي وتجاري خانق يُفرض على إيران منذ سنوات، ويطال أكثر من تسعين مليون إنسان، ويمنع عنهم الغذاء والدواء والتكنولوجيا وحقّهم الطبيعي في التجارة والحياة.

المفارقة هنا لا تكمن فقط في ازدواجية المعايير، بل في طبيعة المنطق الذي يحكم هذا النظام الدولي: إذ تصبح “حرية الملاحة” قيمة مقدّسة عندما تتعلّق بتدفّق النفط والأسواق ومصالح الغرب، بينما يُعتبر خنق الشعوب وتجويعها وإغلاق موانئها ومصادرة أموالها مجرّد “أدوات ضغط مشروعة” إذا كانت الدولة المستهدفة خارج الطاعة الأمريكية. وكأنّ القانون الدولي لم يعد معياراً أخلاقياً وقانونياً عاماً، بل بات دفتر تعليمات يُفتح ويُغلق وفق الحاجة السياسية لواشنطن وحلفائها.

إنّ مجلس الأمن الذي يناقش احتمال إقفال مضيق هرمز بوصفه تهديداً للأمن الدولي، لا يجرؤ في المقابل حتى على تخصيص جلسة فعلية تبحث في شرعية الحصار الأمريكي البحري والاقتصادي على إيران، ولا في الحروب والعقوبات الجماعية التي تُفرض على شعوب المنطقة. هذا الصمت ليس عجزاً فحسب، بل تحوّل إلى شكلٍ من أشكال التواطؤ الدولي المقنّع، حيث تُدار العلاقات الدولية بمنطق القوة لا بمنطق العدالة، وبقانون النفوذ لا بقانون الأمم.

والأكثر فجاجة أنّ القوى نفسها التي تتحدّث اليوم عن احترام الشرعية الدولية، هي ذاتها التي خاضت حروباً مدمّرة من دون أي تفويض أممي. فالولايات المتحدة ومعها إسرائيل شنتا اعتداءات وحروباً مفتوحة على إيران ولبنان وغزة وسوريا، من دون العودة إلى مجلس الأمن أو انتظار قرار منه، وكأنّ الشرعية الدولية مطلوبة فقط من خصوم واشنطن، أمّا هي فتمتلك حقّ تجاوزها وتعليقها متى تشاء.

حتى في ذروة التحضير لغزو العراق عام 2003، وعلى الرغم من حجم الهيمنة الأمريكية آنذاك، بقي مجلس الأمن في حالة انعقاد دائم، وشهد العالم عشرات الجلسات والنقاشات الحادّة حول محاولة واشنطن انتزاع تفويض دولي للحرب. وعندما فشلت الإدارة الأمريكية في الحصول على هذا الغطاء، اضطرت إلى خوض الحرب خارج الشرعية الدولية، ما كشف يومها وجود حدٍّ أدنى من التوازنات الدولية القادرة على إرباك القرار الأمريكي أو تعطيله.

أمّا اليوم، فإنّ المشهد يبدو أكثر انحداراً وخطورة. ففي ظلّ عودة دونالد ترامب وخطابه القائم على فكرة “أمريكا فوق الجميع”، لم تعد واشنطن تبدي حتى الحاجة الشكلية إلى احترام المؤسسات الدولية أو التظاهر بالالتزام بها. بل إنّ خطاب ترامب نفسه يحمل احتقاراً واضحاً للأمم المتحدة ولمجلس الأمن، ويقدّم تصوراً يقوم على استبدال النظام الدولي القائم بهياكل ومجالس تُدار مباشرة وفق الرؤية الأمريكية ومصالحها الاستراتيجية، تماماً كما جرى الترويج لكيانات ومجالس مصطنعة في ملفات إقليمية حساسة كغزة وغيرها.

إنّ ما يجري اليوم داخل أروقة مجلس الأمن حول مضيق هرمز ليس نقاشاً قانونياً بقدر ما هو عرضٌ سياسي مكشوف لطبيعة النظام العالمي الحالي: نظام يملك فيه الأقوياء حقّ شنّ الحروب وفرض الحصار وتدمير الدول من دون مساءلة، فيما يُطلب من المؤسسات الدولية أن تتحرّك فقط عندما تكون مصالح الغرب الاقتصادية أو الأمنية في دائرة التهديد.

وهنا تتجلّى أخطر مظاهر الانهيار الأخلاقي والسياسي للنظام الدولي؛ إذ لم يعد السؤال المطروح: “ما الذي يقوله القانون الدولي؟”، بل: “لصالح من سيُستخدم هذا القانون؟”. ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو جلسات مجلس الأمن حول هرمز أقرب إلى اعترافٍ عالمي ضمني بأنّ المؤسسة الدولية فقدت دورها كمرجعية عدالة، وتحولت إلى ساحة لإدارة موازين القوة، حيث تُشرعن الهيمنة الأمريكية ـ الإسرائيلية، ويُعاد تعريف مفاهيم الشرعية والسيادة وحقوق الشعوب وفق ميزان المصالح لا ميزان المبادئ.

وفي الخلاصة، فإنّ العالم لا يعيش اليوم أزمة نزاعٍ سياسي عابر، بل أزمة بنيوية تضرب مفهوم النظام الدولي نفسه. فحين تصبح العقوبات الجماعية والحصار والحروب الوقائية أدوات “مشروعة” بيد قوة عظمى، بينما يُستنفَر مجلس الأمن فقط لحماية خطوط التجارة والطاقة، فهذا يعني أنّ البشرية أمام مرحلة تتآكل فيها المرجعيات القانونية والأخلاقية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية. وما لم يظهر توازن دولي جديد يضع حدّاً لهذه البلطجة السياسية والعسكرية، فإنّ المؤسسات الدولية ستفقد تدريجياً ما تبقّى من هيبتها، لتتحوّل من مؤسسات لإدارة العدالة الدولية إلى واجهات بروتوكولية تُستخدم لإضفاء شرعية شكلية على إرادة الأقوياء.

عباس المعلم - كاتب سياسي