البشير عبيد / تونس

حين يرحل شاعر، لا يكون الحدث مجرد خبر عابر يضاف إلى سجل الوفيات، بل يصبح مناسبة للتأمل في معنى الأثر الذي يتركه المبدعون وراءهم، وفي القيمة الرمزية للكتابة بوصفها أحد أشكال مقاومة الزمن والنسيان. ومن هذا المنطلق يأتي رحيل الشاعر التونسي السيد بوفايد، الذي غادر عالمنا تاركًا خلفه تجربة شعرية امتدت على سنوات طويلة من العطاء والإبداع، وحضورًا محترمًا داخل المشهد الثقافي التونسي، حيث عرفه الأدباء والمثقفون شاعرًا آمن بالكلمة وجعل منها رفيقة دربه في الحياة.
ويمثل رحيل السيد بوفايد خسارة جديدة للثقافة التونسية التي تفقد بين الحين والآخر عددًا من مبدعيها الذين أسهموا في بناء جزء من ذاكرتها الأدبية والفكرية. فالثقافة ليست مؤسسات وفعاليات ومهرجانات فحسب، بل هي أيضًا حصيلة جهود أفراد كرّسوا أعمارهم للكتابة والإبداع، وتركوا بصماتهم في وجدان القراء وفي الذاكرة الجماعية للمجتمع. وكان السيد بوفايد واحدًا من هؤلاء الذين اختاروا الانحياز إلى الشعر بوصفه أفقًا إنسانيًا وجماليًا قادرًا على التعبير عن أسئلة الإنسان وهمومه وتطلعاته.
على امتداد مسيرته الأدبية أصدر الراحل سبعة دواوين شعرية، وهو رصيد يعكس استمرارية التجربة وجديتها أكثر مما يعكس مجرد غزارة في النشر. فالشعر بالنسبة إليه لم يكن نشاطًا ثقافيًا هامشيًا أو هواية موسمية، بل كان مشروعًا متواصلاً للتعبير عن الذات ومساءلة الواقع والبحث عن المعنى في عالم تتسارع فيه التحولات وتتعقد فيه الأسئلة. ومن خلال هذه الدواوين راكم تجربة خاصة به، تنهل من الواقع التونسي والعربي ومن الهم الإنساني العام، وتبحث عن الجمال وسط ضجيج الحياة اليومية.
لقد عرف المشهد الشعري التونسي خلال العقود الأخيرة تنوعًا لافتًا في التجارب والأساليب والرؤى، وكان السيد بوفايد جزءًا من هذا الحراك الثقافي الذي ساهم في إثراء القصيدة التونسية المعاصرة. ولم يكن حضوره مرتبطًا بصناعة النجومية الثقافية أو بالظهور الإعلامي المكثف، بل ارتبط أساسًا بالكتابة نفسها وبالالتزام الهادئ تجاه الإبداع. ولذلك حافظ على مكانة محترمة داخل الأوساط الأدبية، حيث كانت تجربته تحظى بالتقدير لما اتسمت به من جدية واستمرارية ووفاء للشعر.
وإذا كانت حياة الراحل ارتبطت بالشعر والثقافة، فإنها ارتبطت أيضًا بخدمة الشأن العام من خلال مسيرته المهنية الطويلة في الإدارة المحلية. فقد اشتغل لأكثر من ثلاثة عقود في خطة كاتب عام بعديد البلديات التونسية، وهي تجربة مكنته من الاحتكاك المباشر بمشاغل المواطنين وبالتحولات الاجتماعية التي عرفتها البلاد خلال مراحل مختلفة. وقد شكل هذا الاحتكاك اليومي بالواقع الإنساني رافدًا إضافيًا لرؤيته الفكرية والثقافية، إذ ظل الشاعر قريبًا من نبض المجتمع ومن تفاصيل الحياة اليومية، وهو ما منح تجربته الإبداعية عمقًا إنسانيًا واضحًا.
ومن اللافت في سيرته أنه استطاع الجمع بين مسؤوليات الوظيفة ومتطلبات الكتابة والإبداع، وهي معادلة كثيرًا ما تبدو صعبة في واقعنا العربي. غير أن السيد بوفايد ظل وفيًا للشعر رغم التزاماته المهنية، مؤمنًا بأن الإبداع ليس امتيازًا للنخب المعزولة عن المجتمع، بل هو فعل إنساني يمكن أن ينمو في قلب الحياة اليومية وفي خضم المسؤوليات المختلفة. ولذلك بدت تجربته مثالاً للمثقف الذي يشارك في الحياة العامة دون أن يتخلى عن انشغاله الفكري والجمالي.
ولعل القيمة الحقيقية لأي شاعر لا تقاس بعدد الكتب التي أصدرها فقط، بل بقدرته على ترك أثر ثقافي وإنساني يتجاوز حدود اللحظة الراهنة. فالكتب قد توضع على الرفوف، لكن القصائد الحقيقية تواصل حياتها داخل ذاكرة القراء، وتبقى شاهدة على زمنها وعلى صاحبها في آن واحد. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى تجربة السيد بوفايد باعتبارها جزءًا من الذاكرة الأدبية التونسية التي تراكمت عبر جهود أجيال متعاقبة من الشعراء والمبدعين.
كما يذكرنا رحيل الشعراء بحقيقة ثقافية مهمة، وهي أن المجتمعات لا تتقدم بالاقتصاد والسياسة وحدهما، بل تحتاج أيضًا إلى من يصون ذاكرتها الرمزية ويمنحها القدرة على الحلم والتأمل وإعادة اكتشاف ذاتها. والشعر كان دائمًا أحد أهم هذه الفضاءات الرمزية التي تعبر من خلالها الأمم عن مشاعرها العميقة وأسئلتها الكبرى. لذلك فإن فقدان شاعر هو في جانب منه فقدان لصوت من الأصوات التي ساهمت في إثراء الحوار الثقافي والإنساني داخل المجتمع.
لقد غادر السيد بوفايد مسرح الحياة، لكن ما كتبه سيظل جزءًا من المشهد الثقافي الذي أسهم في بنائه على امتداد سنوات طويلة. وستبقى دواوينه شاهدة على تجربة شاعر اختار أن يهب جانبًا مهمًا من عمره للكلمة الجميلة وللإبداع، وأن يجمع بين الالتزام المهني وخدمة الشأن العام من جهة، والوفاء للشعر والثقافة من جهة أخرى. وهكذا يرحل الإنسان، لكن أثره يبقى، وتبقى الثقافة أكثر المجالات قدرة على منح أصحابها شكلًا خاصًا من أشكال البقاء في الذاكرة والوجدان.